فيدرالية اليسار الديمقراطي

فدرالية اليسار الديمقراطي

الورقــة السياسيــة

من أجل أفق واضح و موحد للنضال الديمقراطي

تقديــم :

في سياق كفاحها من أجل تحقيق مشروعها المجتمعي، مجتمع الحرية والديمقراطية والاشتراكية، و في إطار الظرفية السياسية التي يعيشها المجتمع المغربي و المتسمة بتراجعات كبرى على جميع المستويات، و من أجل خلق إطار ديمقراطي وحدوي ، فاعل و مؤثر،  قررت أحزاب تحالف اليسار الديمقراطي، حزب المؤتمر الوطني الاتحادي والحزب الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، الارتقاء بتحالفها إلى مستوى فيدرالية كصيغة تنظيمية متقدمة و انتقالية ، وكمشروع سياسي يجسد المجهودات المبذولة منذ خمس سنوات لتحقيق قفزة نوعية في مسار النضال المشترك والمؤطر بالقيم والمبادئ التي سقط من أجلها شهداء شعبنا البررة.

إن هذا القرار الهام يترجم وعي وطموح وتصميم الأحزاب الثلاثة على تجاوز أزمة اليسار المغربي بكل مظاهرها المقلقة والتموقع في سياق استمرار النضال التقدمي لحركة التحرر الوطني بثراثها النضالي وتضحياتها الجسيمة من أجل بناء مجتمع الحرية والعدالة والمساواة، كما يستجيب للحاجة الموضوعية في إطار تنظيم موحد لقوى اليسار المناضلة، لتوحيد وتعبئة الجهود والطاقات النضالية الهائلة التي تختزنها جماهير شعبنا.

كما يندرج هذا المشروع في إطار سيرورة إعادة التأسيس التي تعرفها الحركة الإشتراكية على الصعيد العالمي بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي وما يمثله من منعطف جديد وضع حركة اليسار في العالم في إطار مختلف على مستوى المرجعيات الفكرية والأشكال التنظيمية والإرتباط بالحركات الإجتماعية الجديدة لمواجهة إفلاس النموذج النيوليبرالي وبلورة أطروحات وبرامج وسياسات اشتراكية القرن الواحد والعشرين.

و في سياق دولي و إقليمي يتسم باستمرار أزمة الرأسمالية المعولمة بتداعياتها الخطيرة على شعوب العالم ، و بفشل القوى الأصولية التي وصلت إلى السلطة في المنطقة العربية و المغاربية، في تحقيق انتقال ديمقراطي بسبب تعارض مشروعها مع الخيار الديمقراطي و انكشاف تواطؤها مع المراكز الإمبريالية و سعيها المحموم للانفراد بالحكم .

إن فيدرالية اليسار الديمقراطي تستند إلى نفس الإطار المرجعي لمكوناتها بأبعادها التاريخية والأيديولوجية والسياسية المستمد من الأدبيات الاشتراكية ورصيد الحركة التقدمية، والمواثيق الدولية للديمقراطية وحقوق الإنسان بأبعادها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، وهي بذلك تطمح من خلال هذه الورقة إلى بلورة تشخيص لطبيعة المرحلة التي تمر بها بلادنا وملابساتها، تشخيص قادر على توضيح الرؤية الإستراتيجية للمناضلين والجماهير، ورصد إمكانيات التطور وآفاق النضال الديمقراطي بأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية في أفق إقرار  الملكية البرلمانية بالقواعد والأسس المتعارف عليها دوليا كنظام حكم يكرس سلطة الشعب قانونا وممارسة.

ولا شك أن التحليل الموضوعي لطبيعة الوضعية السياسية في ارتباط بالمحيط الدولي والعربي و المغاربي هو أساس لقراءة الواقع المتحرك باستمرار ويجعلنا نستحضر السياق العام الذي يؤثر حتما في التطور التاريخي لبلادنا لصياغة الأجوبة المشتركة عن الأسئلة الكبرى التي

تطرحها علينا المرحلة الراهنة مثل: لماذا لم يؤد نضال الشعب المغربي و قواه التقدمية منذ الاستقلال إلى التغيير الديمقراطي المنشود؟ وهل كان هذا التغيير ممكن الحدوث بالنظر لموازين القوى

ومعطيات الصراع الموضوعية ؟ و ما هي الخطط و البرامج و الوسائل الكفيلة بالقطع مع وضعية الانحسار والتراجع التي يعاني منها اليسار المغربي؟

I ـ سمات الوضع العام قبل حركة 20 فبراير:

 إن الوقوف على السمات البارزة لوضع بلادنا قبل 20 فبراير 2011 في سياق ما يعرفه العالم من تحولات كبرى ، و ضرورة القراءة النقدية والموضوعية لمسار بلادنا وشعبنا لتحديد مسؤولياتنا و تقييم أداءنا و إمكانية تأثيرنا  فيه و النضال من أجل التغيير الديمقراطي لاستخلاص الدروس ومعرفة إلى أين يسير المغرب في سياق أزمة العولمة الرأسمالية وحراك الشعوب في المنطقة العربية و المغاربية.

إن أول ما ينبغي الإشارة إليه والتأكيد عليه هو أن المغرب قد دخل مرحلة سياسية جديدة بعد نهاية مرحلة ما سمي بالمسلسل الديمقراطي وفشل أطروحة التناوب التوافقي. فمنذ منتصف السبعينات تبنت القوى الديمقراطية والتقدمية استراتيجية النضال الديمقراطي مراهنة على تحويل النظام المخزني إلى نظام ديمقراطي و خاضت من أجل ذلك معارك كبرى ، إلا أن انحراف القوى المشاركة في حكومة ما سمي بالتناوب التوافقي و تخليها عن هذه الإستراتيجية أدى ـ كما هو معروف ـ إلى استمرار النظام السياسي بمضمونه الاستبدادي رغم بعض المكتسبات الجزئية .

و منذ 2002 تكرست العودة إلى آليات الحكم التقليدية بما في ذلك خلق حزب إداري جديد وتمكينه من كل وسائل السيطرة على الحقل السياسي وجعله في خدمة السلطة الملكية مباشرة وتخريب ومحاربة أية محاولة لبناء معارضة جديدة وقوية، و الإجهاز على حرية التعبير وقمع النضالات الجماهيرية المشروعة، وتوسيع مجال المقدس بشكل أخطر من السابق فأصبح حضور الملك مهيمنا في تدبير الشأن العام بينما ظلت الحكومة في الخلف وبقي دور البرلمان باهتا يبعث على السخرية، كما تم تبخيس وتحقير دور الأحزاب السياسية مما ضاعف من انتشار العزوف والإحباط واليأس من تحقيق التغيير لدى المناضلين والجماهير و إفساد اللعبة السياسية، وهذا ما يفسر المقاطعة الجماهيرية الواسعة لانتخابات 2007 و 2009 و 2011.

إن أطروحة الانتقال الديمقراطي التي تأسست على حدثين بارزين هما تشكيل حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 وانتقال السلطة من الملك الراحل إلى الملك الحالي والتي تم التنظير لها بشكل مكثف في مختلف وسائل الإعلام خلال تلك الفترة قد تحولت في النهاية إلى محاولة يائسة لتحسين موقع الاندماج في النظام من خلال المشاركة في الحكومة بدون شروط وبلا أي أمل في التغيير وبذلك انتهت إلى الفشل الذر يع وسهلت على القوى الرجعية والمحافظة التوجه نحو إغلاق الحقل السياسي في وجه القوى الديمقراطية.

وبطبيعة الحال لم تقف أحزاب تحالف اليسار الديمقراطي منفردة في البداية ومتحالفة بعد ذلك مكتوفة الأيدي، بل قاومت ذلك المد التراجعي بكل ما أوتيت من قوة وإمكانيات نضالية. ورغم مواقفه الواضحة ونضالاته المستمرة وبرنامجه الانتخابي الواقعي والطموح لم يتمكن تحالف اليسار الديمقراطي من تحقيق تقدم ملموس لأسباب ذاتية و موضوعية في ظل عزوف كبير عن الانخراط في النضال الديمقراطي بسبب الانتكاسات السلبية لتجربة حكومة ” التناوب” على جميع مكونات اليسار المغربي بسبب إفساد النظام للعبة السياسية باستمرار.

في هذا السياق المطبوع بتداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية على الأوضاع المعيشية للأغلبية الساحقة من الجماهير الشعبية، اتسعت دائرة الاحتجاجات ذات الطابع القطاعي أو المحلي وتنوعت أشكالها وتنظيماتها وحاولت قيادة تحالف اليسار الديمقراطي بهدف تجميع وتوحيد قوى اليسار المناضل للتأثير على ميزان القوى وتحقيق التحول الديمقراطي على تعميق الحوار حول ثوابت الحفاظ على هوية اليسار المناضل واستقلال قراره السياسي وبرنامجه النضالي الكفيل بتحقيق أهدافه ومشروعه المجتمعي الذي يميزه عن باقي التوجهات السياسية، ويندرج التقييم السياسي الموضوعي لحركة 20 فبراير في هذا الإطار

  1. من أجل تقييم موضوعي لمسار حركة 20 فبراير :

شكلت حركة 20 فبراير بدون شك أقوى حركة سياسية و اجتماعية مغربية في بداية القرن الواحد والعشرين وهي امتداد لتقاليد شعبنا في مقاومة الظلم والفساد والاستبداد على مر العقود وقد انطلقت بمبادرة جريئة من الشباب المغربي في تفاعل وتجاوب مع ما عرفته المنطقة العربية و المغاربية من حراك شعبي غير مسبوق بعد سقوط النظام التونسي على إثر ثورة شعبية عارمة، ولأول مرة تؤدي مبادرة من هذا النوع إلى رجة في المشهد السياسي وتدشين ديناميكية جديدة لتجاوز حالة الإحباط واليأس التي سادت بلادنا بعد انتخابات 2007. بل واستطاعت أن تحقق في بضعة أسابيع ما لم يتحقق خلال سنوات من مطالبة القوى الديمقراطية بمراجعة شاملة للدستور، والحقيقة أن القدرة على تحريك الجماهير بذلك الزخم وفي أكثر من مئة مدينة مغربية قد اضطر الحكم ودفعه إلى الإقدام وبسرعة على اتخاذ إجراءات استباقية حتى لا تصل الحركة الاحتجاجية إلى نقطة اللاعودة كما حصل في تونس ومصر واليمن و ليبيا…

إن التقييم الموضوعي للحراك السياسي الاجتماعي الذي فجرته وقادته حركة 20 فبراير وساهمت فيه كل مكونات اليسار الديمقراطي مساهمة فعالة، يبين أن النظام السياسي قد استطاع مرة أخرى أن ينجح في الالتفاف على جل مطالب الشعب المغربي في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ويتمكن من الخروج من المأزق بأقل الخسائر الممكنة ويحافظ على جوهر الثوابت المخزنية.

إن عجز حركة 20 فبراير على تحقيق أهدافها وتوفير شروط الاستمرارية والتراكم والتطور يعود إلى عدة أسباب داخلية وخارجية أهمها:

أولا: إستراتيجية الحكم وخبرته المكتسبة في التعامل مع الحركات الاحتجاجية والانتفاضات الجماهيرية باللجوء إلى القمع تارة والمناورة والالتفاف على المطالب تارة أخرى، وهكذا وبمجرد ما تأكد النظام من جدية وحجم الحراك الجماهيري بادر إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات مثل خطاب  9 مارس 2011 و تنصيب المجلس الاقتصادي والاجتماعي وتشغيل الدكاترة المعطلين وفتح الحوار مع المركزيات النقابية الذي توج باتفاق 26 أبريل 2011 وغض الطرف عن احتلال الملك العمومي من طرف الباعة المتجولين وتحويل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان ، ولكن أهم “تنازل” تمثل في الإعلان عن المراجعة الدستورية وتشكيل لجنة استشارية معينة  لهذا الغرض ، ومرافقتها بآلية سياسية بدون صلاحيات حقيقية مع إقصاء وجهات نظر أخرى. وقد امتد عمل اللجنتين على مدى ثلاثة شهور انتهى باستفتاء عرفت حملته استنفارا وتعبئة لكل القوى المحافظة وممارسات كشفت عن الطبيعة الاستبدادية للحكم و تواطؤ بعض القوى المحسوبة على الصف الديمقراطي.

ثانيا:  تمكنه من خلق جبهة واسعة حوله مشكلة من الأحزاب الإدارية و أحزاب محسوبة على الصف الوطني و الديمقراطي و جزء من القوى الأصولية و بعض منظمات المجتمع المدني بالإضافة إلى توظيف المساجد و مختلف وسائل الإعلام المسموعة و المرئية و بعض المؤسسات التقليدية ( الزوايا ).

ثالثا : التأثير السلبي لما عرفته بعض البلدان العربية من مواجهات دموية على تطلعات المغاربة وخاصة فئات الطبقة الوسطى المعروفة بميولها إلى تحقيق انتقال ديمقراطي سلمي على غرار ما عاشته بعض دول أوربا الشرقية نهاية الثمانينات. ويتجلى ذلك بوضوح في تراجع هذه الفئات عن التظاهر مع حركة 20 فبراير بعد الاستفتاء على الدستور، بعد خطة الدولة في تحييد هاته الفئات و قد لعبت أحزاب اليسار الحكومي و حزب العدالة و التنمية أيضا دورا واضحا في هذا المجال.

رابعا: نقط ضعف الحركة وتناقضاتها وخاصة غياب شعار مركزي واضح وموحد قادر على التجاوب مع تطلعات أغلب الطبقات الشعبية في إرساء الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان . كما أن بروز شعارات متطرفة غير متفق عليها قد خلق تخوفا كبيرا وأسئلة مقلقة حول الأفق الذي تسير فيه الحركة والمآل الذي ستؤول إليه وما يترتب عن ذلك من مخاطر حقيقية على مصير الشعب و الوطن.

خامسا :    إن عدم تمكن اليسار الديمقراطي من بناء جبهة ديمقراطية عريضة داعمة ومساندة لحركة 20 فبراير على قاعدة الفرز الواضح بين المشروع الديمقراطي اليساري بأبعاده التحررية والإنسانية ومشاريع القوى الرجعية والمحافظة بما فيها المشروع المخزني والمشروع الأصولي اللاديمقراطي هو الذي أعاق التحول الديمقراطي المنشود في نهاية المطاف. ولهذا ينبغي على اليسار استخلاص الدروس والعبر والعمل بجد واجتهاد لتوفير شروط الاستنهاض من جديد و توضيح خطه السياسي اليساري.

  • ـ الوضع السياسي الراهن ومهام الفيدرالية.

لا يمكن فهم حقيقة ما يجري في المنطقة العربية و المغاربية دون استحضار التأثير القوي للتحولات الدولية وخاصة تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وانعكاساتها على الأوضاع الاجتماعية لشعوب العالم و ضمنها البلدان النامية. لقد أصبح الغرب الإمبريالي يعيش هاجس خوف فقدان دوره المركزي في التحكم في موازين القوى على المستوى الدولي وتشكيل الخريطة السياسية للعالم نظرا للصعود القوي للدولة البازغة ( الصين والهند وروسيا والبرازيل…). هذا التحول النوعي جاء نتيجة صيرورة طويلة ومعقدة للصراع بين المراكز الرأسمالية الغربية وشعوب العالم الثالث.

 إن ما تعيشه المنطقة العربية و المغاربية من ثورات وانتفاضات شعبية غير مسبوقة يعود في جزء منه إلى رفض الأنظمة الاستبدادية في هاته المنطقة الاستراتيجية مسايرة ومواكبة إيقاع التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية و التكنولوجية التي يعيشها العالم منذ نهاية الحرب الباردة، وتمتيع شعوبها بحقوقها الإنسانية المشروعة في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. إن الشعوب العربية و المغاربية ومنها شعبنا لا زالت تعيش مخاض النضال العسير من أجل الانتقال إلى الديمقراطية، ويزداد الأمر تعقيدا بهيمنة القوى الأصولية على الشارع وسعيها إلى إجهاض الثورات الشعبية من خلال توظيفها للآليات الديمقراطية للسيطرة على السلطة السياسية وإقامة أنظمة شمولية جديدة.

إن أزمة العولمة الرأسمالية وإن كانت قد أعادت الاعتبار للفكر الاشتراكي ولدور الدولة في الضبط الاقتصادي وأعادت النظر في التقسيم الدولي للعمل، فقد تزامنت و تراجع فعل القوى الديمقراطية واليسارية على المستوى العربي والمغاربي مما أدى إلى استقطاب حاد و تدهور للأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية ،ومكن القوى المحافظة من تسييد خطابها بواسطة وسائل الإعلام الحديثة وعقد تحالفات مع القوى الامبريالية لإعادة هيكلة الدول على قاعدة الولاء للرأسمال الإمبريالي والعائلات الحاكمة !.إنها مفارقة الحراك العربي و المغاربي الذي اندلع بسبب تعطش شعوب المنطقة للحرية والعدالة والكرامة وانتهى بوصول قوى لا ديمقراطية للسلطة ، تبين عجزها عن صياغة تعاقدات مجتمعية تفتح المجال لسياق جديد قد يؤدي إلى فتح انتقال ديمقراطي حقيقي  يضمن الاستقرار و التقدم و تحقيق الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية.

في هذا السياق العربي والدولي حدث التقاء النظام المخزني بالحزب الأصولي الذي اتخذ موقفا معاديا من حركة 20 فبراير ولعب دورا ملحوظا في الدعاية للدستور الجديد والدفاع عن الثوابت المخزنية، وكان من المخارج التي أعدتها الطبقة الحاكمة للمأزق الذي وجدت نفسها فيه و رغم الإخراج المسرحي والتعتيم الإعلامي، فإن استحضار العديد من المؤشرات والإشارات يبرز الدور الملتبس الذي استدعيت لأدائه القوى الأصولية في المنطقة العربية و المغاربية بما  فيها المغرب. فحاجة النظام الماسة لربح الوقت وامتصاص الغضب الجماهيري والالتفاف على أزمة الثقة والاستجابة لضغوط المراكز الرأسمالية في الغرب،كل ذلك جعل صعود العدالة والتنمية للحكومة ليس فقط ممكنا بل مرغوب فيه !

 وقد كشفت سنتين من ممارسة الحكومة وتصريحات رئيسها أن شعارات الحملة الانتخابية لا علاقة لها بالإجراءات الملموسة والتوجهات المخزنية التي يجري تنفيذها على ارض الواقع كما كان الأمر مع كل الحكومات السابقة. والأخطر من ذلك يحرص رئيس الحكومة على عدم استغلال الهامش الذي يتيحه له الدستور ويتفادى كل احتكاك بلوبيات الفساد بل و قام بالتطبيع معها . و يندرج التعديل الحكومي لأكتوبر 2013، بما عرفه من تخبط و جدل ، في إعادة إنتاج سياسة ما قبل الحراك الشعبي و رسخ تحكم الدولة في العملية السياسية .

وفي مواجهة هذا المشروع المخزني وفي تنافس معه على تعبئة القوى المحافظة داخل المجتمع هناك أيضا المشروع الأصولي الشمولي الذي لا يقل رجعية وخطورة ، بل ويحمل مخاطر حقيقية على مستقبل المغرب و على المشروع الديمقراطي والتقدمي لليسار بحمولته الإنسانية وعمقه الاجتماعي . وهكذا انتهى ومنذ سنوات زمن القطبية الثنائية من المشهد السياسي المغربي (مخزن حاكم ويسار معارض) إلى تعددية قطبية يعاني فيها قطب اليسار من ضعف غير مسبوق بسبب استمرار اليسار الحكومي في أخطائه القاتلة معبرا بذلك عن عجزه عن القيام بالمراجعة النقدية لخطه السياسي وعن استخلاص الدروس و العبر الضرورية .

 وإذا كانت مسيرتا 27 ماي 2012  بالدار البيضاء و  30 مارس 2013 المنظمتين من طرف الكونفدرالية الديمقراطية للشعل و الفيدرالية الديمقراطية للشغل قد كشفتا  عن قدرة اليسار على العودة إلى ساحة الكفاح الجماهيري و القيام بمبادرات نضالية ، فإنهما قد أكدتا في الوقت نفسه أنه في غياب وحدة حقيقية لقوى اليسار حول خط النضال الديمقراطي الجماهيري من أجل تحقيق مشروع الملكية البرلمانية ، يصعب ـ إن لم يكن من المستحيل ـ إحداث تغيير ملموس في ميزان القوى كمدخل للتغيير الديمقراطي الحقيقي .

       هذا المشهد السياسي المطبوع بالبلقنة و التشتت ، و تمييع العمل السياسي ، و تبادل الأدوار بين الأحزاب الدائرة في فلك المخزن بشكل يبعث على النفور من الانتماء الحزبي حتى بالنسبة للفئات المتعلمة و النشيطة في جمعيات المجتمع المدني . هذا المشهد يطرح على فدرالية اليسار الديمقراطي مهام صعبة و معقدة خاصة في ظل أزمة اقتصادية و اجتماعية تزداد حدة بفعل تداعيات الأزمة المالية و الاقتصادية في بلدان الاتحاد الأوربي الشريك  التقليدي و الأساسي للمغرب ، فاحتدام الأزمة يؤدي حتما إلى تصاعد النزاعات الاجتماعية و الاحتجاجات الجماهيرية ، و يسهل على القوى الأصولية الاستقطاب و التجييش بحكم انتشار الأمية و الجهل و العقلية القدرية وسط الفئات الشعبية، و هكذا فالمهام التي يطرحها هذا الواقع على فدرالية اليسار الديمقراطي كثيرة و أهمها :

  • التوضيح السياسي الشامل لمشروعها السياسي بشعارات واضحة و محددة تتمثل في الملكية البرلمانية و محاربة الفساد و الاستبداد و تحقيق العدالة الاجتماعية و ترسيخ حقوق الإنسان و المساواة بين الرجل و المرأة ، و الدولة المدنية الديمقراطية ….
  • صياغة إستراتيجية شاملة للانتقال إلى الديمقراطية بأبعادها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية تستجيب لانتظارات الجماهير و تطلعات كل القوى و الفعاليات الديمقراطية و اليسارية ، إستراتيجية قادرة على حشد أوسع تحالف ممكن و إقناع العازفين و المترددين على الانخراط في النضال الديمقراطي .
  • المساهمة بفعالية في إعادة هيكلة أدوات الصراع الديمقراطي و الجماهيري برؤية جديدة و متجددة تجعل من التكامل بين نضال الفدرالية و نضال المركزيات النقابية و منظمات المجتمع المدني أساس التشكل التدريجي لتيار جماهيري ديمقراطي واسع داخل المجتمع المغربي يمثل الضمانة الحقيقية لربح معركة التغيير الديمقراطي .

      إن إنجاز هذه المهام الكبرى يتطلب أولا و قبل كل شيء أن تتشكل فدرالية اليسار الديمقراطي ، و تتطور بالنضال و من خلاله إلى قوة سياسية جماهيرية منظمة و متماسكة بمرجعية موحدة و خط سياسي متميز قادر على مواجهة المشروع المخزني الاستبدادي الرافض للإصلاحات الهيكلية ، و المشروع الأصولي المناهض لجوهر و مضمون الديمقراطية  والمستغل في نفس الآن لآلياتها من أجل الوصول للسلطة لإقامة نظام شمولي.

  1. المحاور الكبرى للبرنامج المرحلي :

في هذا السياق و من أجل استنهاض جديد لقوى التغيير الديمقراطي و استرجاع زمام المبادرة النضالية تطرح فدرالية اليسار الديمقراطي برنامجا مرحليا تتمثل محاوره الكبرى فيما يلي :

1 ـ من الدولة المخزنية إلى الدولة الديمقراطية ( الملكية البرلمانية ):

للمؤسسة الملكية في المغرب عمق تاريخي  استبدادي تعزز منذ  الاستقلال. وقد أدى اليسار المغربي طيلة نصف قرن ثمنا باهضا في كفاحه من أجل دمقرطة الدولة والحد من السلطات المطلقة للملك بل والسعي لتغيير النظام نفسه بكل الوسائل الممكنة.

إن الصراع بين الملكية واليسار عرف تحولا في طبيعته و آلياته بسبب التحولات الكبرى التي عاشها العالم وبفعل ما عرفه المغرب من تحولات مجتمعية غيرت من طبيعة التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية المغربية وأثرت بعمق على المشهد السياسي. و بسبب فشل مشاريع محاولات التغيير، ونظرا لما وصلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من خطورة في منتصف تسعينات القرن الماضي من جهة، وما تتطلبه عملية انتقال الملك من استقرار وترتيبات خاصة، فقد سعت المؤسسة الملكية إلى ما عرف ب ” التناوب التوافقي ” مع أهم قوى وطنية، وتمكنت بذلك من توظيف الرصيد النضالي والإشعاع الجماهيري والسمعة الدولية لليسار المغربي من أجل تلميع صورة النظام السياسي لدى الرأي العام  في الداخل و الخارج .

وهكذا تمكنت المؤسسة الملكية من إحكام قبضتها على الحقل السياسي و عملت من احتكار السلطة و مراكمة الثروة ؛ و أصبح الملك محور الحياة السياسية بامتياز وتراجعت شعبية اليسار وتشتت قواه وتقزمت بالرغم من المحاولات التي بذلتها أحزاب تحالف اليسار الديمقراطي لإعادة الاعتبار للنضال اليساري. و ظلت علاقة الدولة باليسار المعارض علاقة يطبعها التوتر والصراع بالرغم مما تحقق خلال العقد الأخير من إصلاحيات جزئية ومكاسب ديمقراطية ومشاريع اقتصادية محدودة .

      صحيح أن الحراك الشعبي لسنة 2011 شكل فرصة نادرة للانتقال ببلادنا إلى نظام الملكية البرلمانية بكل ما في هذه الصيغة من معنى حيث تصبح السيادة للشعب ويسود القانون ويتحقق فصل السلط وتمارس الحكومة المنبثقة عن صناديق الاقتراع كل السلطة التنفيذية ويمارس البرلمان أدواره الطبيعية في التشريع والرقابة السياسية. إلا أنه يبدو أن الشروط السياسية الذاتية و الموضوعية لهذا الانتقال لم تنضج بما فيه الكفاية حتى الآن ، لذلك تبقى معركة هذا الانتقال معركة مفتوحة.

      بدءا وجب التوضيح أن فدرالية اليسار الديمقراطي بتبنيها للملكية البرلمانية لا يعني أنها تتعلق بالأوهام أو أنها تقدم  شيكا على بياض للطبقة الحاكمة، إنها تعي جيدا أن هذا الهدف لن يكون منحة من أحد، و لن يتحقق دون صراع و كفاح كما حدث في بلدان أخرى في العالم ، تمكنت شعوبها من ترسيخ قواعد التدبير الديمقراطي / الحضاري للصراع الطبقي حول توزيع الثروة والتداول السلمي على السلطة، كما تعي أن التطور التاريخي للمجتمع المغربي بتشكيلته الاجتماعية وبنياته الثقافية ، يجعل من الملكية البرلمانية الحل الأنسب تاريخيا للتناقض الرئيسي بين قوى التحرر والتقدم والاشتراكية من جهة، وبين قوى الرجعية والمحافظة والتخلف من جهة ثانية.

    إن التغيير الممكن للنظام السياسي يتطلب تحويل الملكية التنفيذية إلى ملكية برلمانية، باعتماد النضال الديمقراطي السلمي و تجنيب البلاد مخاطر المجهول كما حدث في بعض البلدان. ملكية برلمانية يؤطرها دستور ديمقراطي يضمن للشعب المغربي ممارسة سيادته كاملة عبر فصل حقيقي للسلط، وحكومة منبثقة عن انتخابات حرة ونزيهة تمارس كامل السلطة التنفيذية، ومسؤولة أمام برلمان منتخب بالاقتراع العام المباشر، قادر على مراقبة الحكومة وممارسة السلطة التشريعية، وسلطة قضائية مستقلة، وإعلاما عموميا حرا يعكس التعددية السياسية والثقافية واللغوية للمجتمع المغربي. ولذلك لازال من مهام قوى الديمقراطية والحداثة بشكل عام وقوى اليسار بشكل خاص نهج إستراتيجية كفاحية متعددة الواجهات والأساليب النضالية، وطويلة الأمد لتحقيق تلك النقلة النوعية التي تسمح لبلادنا  بولوج عصر الحداثة والبناء الديمقراطي الاشتراكي .

     إن فدرالية اليسار الديمقراطي، بالرغم مما تتوفر عليه من طاقات نضالية، تعي كذلك أنها  لا تمتلك القدرة لوحدها على تحقيق التغيير الديمقراطي المنشود، بل وتعتبر أن تجميع وتوحيد كل قوى اليسار المناضل وباقي القوى المؤمنة بالديمقراطية والمكافحة من أجلها خطابا وممارسة هو المدخل الضروري للارتقاء بنضال الجماهير المغربية إلى مستوى إحداث فرز جديد وتغيير ملموس في ميزان القوى من أجل القطع مع عهود الفساد والاستبداد، وتدشين مرحلة تاريخية جديدة في حياة بلادنا وشعبنا تتجسد فيها الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

 في هذا السياق تشدد فدرالية اليسار الديمقراطي على ضرورة تجنب مكوناتها ومناضليها و مناضلاتها  كل مظاهر الخلط والغموض في المواقف والمبادرات التي تقدم عليها في هذه المنطقة أو تلك، وفي أي مناسبة من المناسبات، إذ لا ينبغي القيام بأي تنسيق  وبأي شكل من الأشكال مع أعداء الديمقراطية و حقوق الإنسان بدعوى التكتيك المرحلي أو التنسيق الميداني .

إن قدر اليسار المغربي لا يتجلى في مواصلة الكفاح المرير من أجل خلق قوى ضاغطة لتغيير موازين القوى في أفق  اقتلاع جذور الفساد والاستبداد من أجهزة الدولة، وبنيات المجتمع فحسب، بل كذلك في المواجهة الفكرية/ الإيديولوجية لكل عناصر وعوامل التقليد والمحافظة التي تمثل التربة الخصبة لإعادة إنتاج أنظمة الحكم الشمولية المعادية لتحرر الإنسان وتقدمه، وبالتالي سيكون من العمى الإيديولوجي و الغباء السياسي  تسهيل مأمورية القوى المحافظة لإحكام سيطرتها على المجتمع المغربي كما حدث في إيران حتى ولو كان جزء منها حاليا في موقع المعارضة.

2 ـ إعداد شروط وآليات الانتقال الديمقراطي :

إذا كانت صيغ الانتقال إلى الديمقراطية مختلفة من بلد إلى آخر حسب الظروف التاريخية وإكراهات المحيط الجيو استراتيجي، ونضج التناقضات الداخلية،  فإن تطور الدينامية الاجتماعية بفرز تيار ديمقراطي قوي وبروز قيادة حازمة ونزيهة للنضال الديمقراطي، يعتبر مقدمة أساسية لتغيير موازين القوى الكفيلة بجعل النظام السياسي يستجيب لمتطلبات الانتقال الديمقراطي و ذلك من خلال تعاقد حول أسس الملكية البرلمانية. من هذا المنطلق يجب على فدرالية اليسار الديمقراطي العمل على تجميع وتوحيد كافة القوى الديمقراطية في إطار جبهة عريضة للنضال من أجل توفير شروط ومقومات الانتقال إلى الديمقراطية على قواعد و أسس الملكية البرلمانية.

إن بلورة إستراتيجية نضالية شاملة بأبعادها السياسية والنقابية والثقافية والإيديولوجية لإعادة الاعتبار للنضال الديمقراطي الجماهيري ولإحياء الأمل في التغيير وتعبئة كل الطاقات النضالية المتوفرة في أفق واحد، هو أفق التغيير الديمقراطي، أصبح ضرورة تاريخية لا غنى عنها من أجل تحقيق تقدم ملموس في محاربة الفساد والاستبداد .

إن المرحلة القادمة ستكون مرحلة اختبار حقيقي لقوى اليسار كلها على مدى استيعابها لدروس الماضي وقدرتها بالخصوص على استنهاض قواعدها وتجاوز الحسابات الصغيرة من أجل إعادة الاعتبار للكفاح الجماهيري والعمل المشترك على قاعدة الالتزام بالمبادئ الديمقراطية والقيم التقدمية. وفي نفس السياق تبرز كذلك أهمية تعميق الحوار والتواصل مع مكونات المجتمع المغربي والتيارات والحساسيات الثقافية والسياسية غير المهيكلة ومع الحركة الأمازيغية الديمقراطية والقوى الإسلامية المستنيرة من أجل تقوية ارتباطها بالمشروع الديمقراطي الحداثي.

3 ـ في ارتباط القضية الوطنية بالمسألة الديمقراطية :

إذا كان تجاوز الأزمة العميقة للوضع السياسي، ومضاعفاتها الخطيرة على مستقبل البلاد وتطورها، يتوقف على التغيير الدستوري والمؤسساتي على قاعدة السيادة الشعبية ، والفصل الحقيقي للسلط ، واستقلال القضاء ، والاحترام الفعلي لحقوق الإنسان، فإن التثبيت النهائي للوحدة الترابية يقتضي القطع مع أساليب الماضي، المتمثلة في : انفراد المخزن بتدبير ملف استرجاع الأقاليم الجنوبية ، وتعميق الاختلالات الاجتماعية والجهوية ، والتوزيع غير العادل للثروة الوطنية

و تقوية الجبهة الداخلية بالتأسيس للديمقراطية بأبعادها الشاملة.

إن قضية صحرائنا قد ارتبطت دوما بالصراع الداخلي والإقليمي و الدولي سواء نهاية الخمسينات، حينما تم التآمر على جيش التحرير بالجنوب ، أو في بداية السبعينات حيث ارتبطت مواجهة المخطط الانفصالي بدينامية النضال الديمقراطي. والآن يتأكد من جديد أن استكمال السيادة الوطنية على كل أجزاء التراب الوطني ، بما في ذلك سبتة ومليلية والجزر الجعفرية ، يتطلب أكثر من ذي قبل الاعتماد على الذات الوطنية ، عبر إشراك الشعب المغربي وقواه الحية في تدبير قضيه المصيرية ، وتزويده بكل المعطيات والمعلومات الضرورية . أما المراهنة فقط على الدول الكبرى التي تحكمها ـ في تعاملها مع قضيتنا الوطنية ـ مصالحها الجيوستراتيجية ، فإنها تحمل مخاطر كبيرة على استقرار و سيادة شعوب المنطقة المغاربية و مستقبلها .

إن صياغة مقاربة جديدة تحافظ على السيادة الوطنية و تجنب المنطقة المغاربية أخطار التوتر و ابتزاز القوى العظمى تقتضي تجاوز المقاربة الأمنية الضيقة و إشاعة حقوق الإنسان و اعتبار الملف شأنا وطنيا عاما ، و وضع آليات إشراك الجميع في تدبيره ، و العمل من أجل إيجاد حل سياسي متفاوض عليه يمكن سكان الصحراء من التدبير الواسع لشؤونهم في ظل السيادة الوطنية.

  إن أي تقدم في الحل النهائي للقضية الوطنية مرهون بتقدم بلادنا في بناء ديمقراطية حقيقية تمكن من تقوية الجبهة الداخلية وتجعل للحكم الذاتي جاذبية قوية لدى سكان المنطقة و فرض احترام المغرب على الصعيد الدولي .

       و باعتبار الجهوية بعدا أساسيا من أبعاد الديمقراطية الشاملة، وكي لا تنحرف الجهوية الموسعة عن الدور الديمقراطي والتنموي الذي تلعبه في البلدان المتقدمة، لا بد من مقاربة جديدة  تربط ربطا جدليا بين ترسيخ الوحدة الوطنية، وبين جعل الجهة قطبا للديناميكية الاقتصادية والاجتماعية.. و لكن هل يمكن حقا اعتماد الجهوية الموسعة دون إصلاحات دستورية عميقة تحد من مركزية القرار ، و تحدد اختصاصات الجهة وصلاحياتها ؟.

لا يمكن للجهوية كمشروع مستقبلي لتدبير المجال الترابي، أن تحقق أهدافها بوجود جماعات محلية قائمة على التزوير، وتشكل مرتعا للزبونية والفساد ونهب المال العام . إن الحديث عن الجهوية خارج نطاق الإصلاح الجذري للنظام السياسي لا يعدو أن يكون مجرد هروب إلى الأمام، وفي أحسن الأحوال محاولة تفتقد إلى شروط ومقومات النجاح، وتدخل في خانة الإعلانات الكبيرة والإنجازات الصغيرة التي تسيء أكثر مما تخدم مصالح بلادنا في السنوات الأخيرة.

4 ـ لا ديمقراطية بدون تنمية اقتصادية و عدالة اجتماعية :

      إن تشخيص فدرالية اليسار الديمقراطي للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية باستحضار المعطيات الرسمية نفسها، يؤكد أن المغرب يمر بأزمة اجتماعية خطيرة تشمل كل القطاعات بدون استثناء، خاصة مع انعكاسات الأزمة المالية والاقتصادية للاتحاد الأوروبي،  أزمة ناجمة عن تطبيق اختيارات طبقية لا شعبية ولا ديمقراطية طيلة العقود الماضية، أزمة تعكسها أرقام ومؤشرات إحصائية تعكس تدحرج المغرب في سلم الترتيب الدولي في ميادين التعليم والصحة والتكنولوجيا والدخل الفردي والتنمية البشرية والتجارة الخارجية ومناخ الأعمال والاستثمار والتنافسية الاقتصادية وحرية الصحافة والشفافية والحكامة. إن تقارير المنظمات الدولية التي لا يمكن اتهامها بمعارضة الطبقة الحاكمة تكشف بجلاء تردي الأوضاع المعيشية للمواطنين ، وتدهور الخدمات الاجتماعية ، وضعف الإنتاجية وتخريب المؤسسات العمومية ، واتساع الفوارق الطبقية والجهوية مقارنة ببلدان نامية في آسيا وإفريقيا كان المغرب أكثر تقدما منها في منتصف القرن الماضي وأصبح الآن متخلفا عنها بعشرات السنين. !
لقد علق المغاربة آمالا عريضة على إصلاح الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وانتظروا بصبر تحقيق الوعود المقدمة ، والشعارات المرفوعة في مختلف المناسبات، حول الإنصاف والمصالحة والتنمية البشرية ومحاربة الفقر وتأهيل الاقتصاد الوطني ومحاربة الفساد لكن محافظة الدولة على ثوابتها التقليدية ، و اختياراتها اللاديمقراطية و اللاشعبية حالت ولا زالت تحول دون تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي يمكن بلادنا من مواجهة تداعيات أزمة العولمة الليبرالية ، وخلق فرص الشغل الكافية ، والحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية بدليل عودة إملاءات المؤسسات المالية الدولية التي تجلت فيما أقدمت و ما ستقدم عليه الحكومة من إجراءات تقشفية و زيادات في أسعار المواد الأساسية مما يؤدي إلى المزيد من ضرب القدرة الشرائية لأوسع الفئات الاجتماعية  .

             وبالرغم من استمرار كل مظاهر الأزمة الاجتماعية تمكنت الأقلية الطبقية المسيطرة على دواليب الدولة ومراكز القرار من مراكمة الأموال ، والاستحواذ على الحصة الكبرى من الثروة الوطنية بكل الطرق والوسائل المتاحة أمامها من نهب المال العام ، و ريع اقتصادي وصفقات عمومية ، وامتيازات لا حصر لها : إعفاءات ضريبية و رخص استغلال البر والبحر وتسهيلات إدارية وقروض بنكية، هكذا تعمقت الفوارق الاجتماعية و تدهور وضع الطبقة الوسطى و ارتفعت نسب الفقر و البطالة وتوسعت دوائر التهميش و الإقصاء . وفي ظل وضع كهذا من الطبيعي أن ترتفع حدة التوتر الاجتماعي وأن تندلع الاحتجاجات الجماهيرية في مختلف القطاعات والمناطق من إضرابات ووقفات ومسيرات لم تلق إلا التجاهل و القمع و المحاصرة و سعي الدولة لإضعاف العمل النقابي .

 لقد دفع تردي الأوضاع الاجتماعية المركزيات النقابية إلى اتخاذ عدة مبادرات نضالية، وطنية و قطاعية ، بهدف الضغط على الحكومات المتعاقبة لتلبية الحد الأدنى من مطالب الشغيلة المغربية التي تعاني من انهيار قدرتها الشرائية بسبب تجميد الأجور وارتفاع الأسعار. لكن تشرذم الحركة النقابية ، و تراجع أدائها و فعاليتها ، و عجز اليسار المعارض على تشكيل جبهة سياسية جماهيرية وازنة و مؤثرة ، و اختيار فئات عريضة لمواقف اللامبالاة و الانتظارية ، كل هذا عمق اختلال ميزان القوى بين قوى التحرر و التقدم و الديمقراطية من جهة ، و قوى التخلف و الاستغلال و الاستبداد من جهة أخرى ، و أصاب الحركة التقدمية على العموم بأعطاب بنيوية مزمنة لا يمكن تجاوزها بدون إرادة وحدوية و مشروع مجتمعي مشترك .

         إن فدرالية اليسار الديمقراطي التي لا تفصل بين البعد الاجتماعي والبعد السياسي في نضالها الطبقي لا يسعها إلا أن تؤكد تضامنها اللامشروط مع كافة الحركات الاحتجاجية والمطلبية لكل المأجورين والمعطلين ، وتساند بدون تحفظ نضالات الطبقة العاملة المغربية بقيادة تنظيماتها النقابية المناضلة ، وتعتبر أن الوحدة النضالية للطبقة العاملة هي السبيل لصيانة هويتها الكفاحية وتحقيق أهدافها في القضاء على الاستغلال وتحقيق العدالة الاجتماعية. و تؤكد الفدرالية دعمها لكافة النضالات الاجتماعية و الحقوقية المشروعة ، و تحث مناضليها على العمل من أجل ترسيخ الديمقراطية الداخلية في كل المنظمات الجماهيرية ، و المحافظة على تماسكها و وحدتها التنظيمية .

 5 ـ الفدرالية و النضال من أجل انتخابات حرة و نزيهة :

مرة أخرى تجد مكونات فدرالية اليسار الديمقراطي نفسها أمام ضرورة بلورة موقف موحد من الانتخابات المحلية القادمة  ، نظرا لما لهذا الموقف من تداعيات مؤكدة على مشروع بناء و تطوير فدرالية اليسار الديمقراطي نفسها ، إذ لا يمكن من الناحية العملية تحقيق هذا المشروع بأية صيغة من الصيغ ( فيدرالية اليسار) دون التوصل إلى موقف مشترك من الانتخابات الجماعية و الجهوية و عليه فإنه من الضروري و المفيد تعميق النقاش بين مكونات الفدرالية حول كيفية جعل محطة الانتخابات مناسبة لخوض معركة كبرى ضد الفساد و رموزه ، و تعميق الوعي الديمقراطي لدى الجماهير الشعبية ، و توسيع القاعدة الاجتماعية لفدرالية اليسار الديمقراطي و التأكيد على إستراتيجية النضال الديمقراطي  باعتبار المشاركة قاعدة و المقاطعة استثناء.

إن الدولة تعمل دائما على جعل الانتخابات عملية مخطط لها و متحكم في نتائجها سلفا لتفادي أية مفاجأة، و استغلالها لإضفاء طابع المشروعية الديمقراطية على اختيارات و توجهات لاشعبية و لاديمقراطية ، تخدم بالدرجة الأولى مصالح الطبقة السائدة و لوبيات الفساد على الصعيدين الوطني و المحلي . ومع ذلك فإنه من غير المقبول ترك المجال فارغا للمفسدين للتلاعب بحرية في الأموال و الممتلكات العمومية ، و التحكم بشكل مطلق في مصائر المجالس المنتخبة دون رقيب أو حسيب .

صحيح ان الانتخابات أصبحت مرتبطة بالأعيان و الزبونية و الاستعمال المكثف للمال و الدين و كل وسائل الضغط و الابتزاز التي تلجأ إليها السلطات المحلية و الأحزاب الإدارية للتأثير على الناخبين ، الشيء الذي عمق أزمة الثقة في العمل السياسي و ساهم في تفاقم ظاهرة العزوف عن التصويت . و لكن مقاومة الفساد الانتخابي و التزوير بكافة أشكاله تتطلب نضالا طويل النفس على كافة المستويات . إن هذا يعني بالنسبة لليسار ، التأسيس لثقافة انتخابية جديدة جوهرها وعي المواطن و رفضه بحزم التصويت بالمقابل ماديا كان أو غير مادي ، و الجرأة على فضح سماسرة الانتخابات و محاربتهم .

       إن فدرالية اليسار الديمقراطي في سعيها لبلورة موقف موحد من الانتخابات المقبلة لا تنطلق من فراغ ، لأن تحالف اليسار الديمقراطي راكم تجربة لا بأس بها سواء بالنسبة للانتخابات البرلمانية لسنة 2007 أو الانتخابات الجماعية لسنة 2009 و التي تمكن خلالها من إبراز صوته بشكل واضح و متميز  . و إذا كانت الشروط التي جرت فيها الانتخابات قد حرمته من التواجد في عدة جماعات ، فإن الحملة التي خاضها و الدروس التي استخلصها من تلك التجربة قد ساهمت في تعميق وعي مناضليه بالحاجة إلى المزيد من الوحدة ، و المزيد من التواصل مع الجماهير خاصة الشباب منهم، لأنه لا مستقبل لبلادنا دون ديمقراطية حقيقية تمثل الانتخابات الحرة والنزيهة وسيلة لإقرارها وترسيخها، حيث لا وجود لديمقراطية بدون انتخابات ، كما أن الانتخابات وحدها لا تعني وجود ديمقراطية .

      إن الأمر في نهاية المطاف لا يتعلق فقط باتخاذ موقف المشاركة أو المقاطعة الذي يرتبط بالسياق والشروط الملموسة التي ترجح هذا الموقف أو ذاك، بل بحلقة في سيرورة كفاحية لدمقرطة الدولة والمجتمع. والقوى الديمقراطية و التقدمية الأصيلة وحدها تعي أهمية وحتمية هاته السيرورة، ولذلك تعمل على تسريعها لا على إبطائها. إن هذا لا يعني التسرع في اتخاذ موقف سابق لأوانه من الانتخابات الجماعية ، بل يعني فقط استحضار البعد المؤسساتي في النضال الديمقراطي واستعداد كل مكونات الفدرالية بروح وحدوية وعزيمة مشتركة لخلق دينامية نضالية جديدة كفيلة بإعادة الأمل في التغيير لأوسع الجماهير الشعبية في المدن والقرى وفي سائر القطاعات الاجتماعية و ذلك بالنضال من أجل انتخابات حرة و نزيهة تتجسد من خلال :

ـ إشراف هيئة مستقلة على كل مجريات العملية الانتخابية بصلاحيات حقيقية .

ـ إدراج جميع حاملي البطاقة الوطنية في لوائح الناخبين .

ـ وضع نظام انتخابي تتوفر فيه المعايير الدولية للنزاهة .

ـ معالجة عوامل عزوف الأغلبية الساحقة من الناخبين و الناخبات عن التصويت .

ـ ضمان انفتاح و حياد الإعلام العمومي و عكسه للتعددية السياسية في المجتمع .

ـ محاربة فعلية لكل أساليب و طرق الفساد الانتخابي و معاقبة المخالفين .

خلاصــات:

   من خلال ما تقدم يتبين أن المغرب يمر بمرحلة مفصلية في تطوره السياسي والاقتصادي يمكن اعتبارها مرحلة نوعية تفرض على اليسار – أحزابا ومناضلين – الارتقاء بوعيه وتجاوز ما أمكن نقط ضعفه وصراعاته الذاتية وتجنب السقوط في فخ مناورة خصومه وأعدائه كما حصل في السابق. إن الحضور القوي لليسار في ساحة الكفاح الجماهيري خاصة بعد أن أعادت الأزمة المالية والاقتصادية الاعتبار لفكره وأطروحاته يتطلب استرجاع زمام المبادرة النضالية وفضح البدائل الوهمية والكف عن الازدواجية في الخطاب والممارسة وتوحيد الطاقات والجهود من أجل تحقيق تغيير ملموس في ميزان القوى وإحداث نقلة نوعية في الصراع السياسي / الاجتماعي في أفق تحقيق الأهداف المرحلية التالية:

1- إصلاح عميق للنظام السياسي بتحويل الملكية التنفيذية إلى ملكية برلمانية كاملة المقومات والأسس يؤطرها دستور ديمقراطي يضمن للشعب المغربي ممارسة سيادته كاملة عن طريق هيئات تمثيلية منتخبة انتخابا حرا و نزيها ، تنبثق عنها حكومة مسئولة عن وضع السياسة العامة للبلاد ، و تنفيذها في كافة المجالات، و يقنن شروط التداول الديمقراطي على السلطة ، و فصلا حقيقيا للسلط، و استقلال القضاء ، و احترام الحريات العامة و الفردية و حقوق الإنسان.

2-  إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني باعتماد سياسة اقتصادية جديدة منطلقها استرجاع الدولة لدورها الاستراتيجي في  توفير شروط ومقومات إقلاع اقتصادي حقيقي يضع حدا لاقتصاد الريع والامتيازات، ويمكن من رفع وتيرة التنمية المستدامة، ودمج الاقتصاد غير المهيكل في الدورة الاقتصادية المنظمة، وخلق فرص الشغل الكافية والحد من التأثيرات السلبية للعولمة الليبرالية، وإعادة توزيع الثروة الوطنية على قواعد الإنصاف و العدالة الاجتماعية ، و تلبية حاجيات المواطنين و المواطنات في الشغل والسكن والصحة و التعليم و النقل و البيئة السليمة   و باقي الخدمات الضرورية للعيش بحرية وكرامة .

3ـ استكمال مهام التحرر الوطني من خلال تثبيت السيادة الوطنية على الأقاليم الصحراوية ، و تحرير سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، وبناء منطقة مغاربية مندمجة على أسس ديمقراطية وتقدمية تضمن لشعوب المنطقة تحقيق التكامل الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والرقي الحضاري، وولوج عصر المجموعات الإقليمية الكبرى لمواجهة تحديات العولمة والمنافسة الدولية. ودعم نضال الشعوب العربية من أجل التحرر الإنساني والمساهمة  في دمقرطة المؤسسات السياسية والمالية والاقتصادية الدولية، وتوجيه دعمها للشعوب الفقيرة والنامية والقضاء على الفقر في العالم.

4  ـ إعادة الاعتبار للتعليم العمومي  من خلال إصلاح المدرسة العمومية إصلاحا عميقا، لتمكين البلاد من مدرسة وطنية موحدة مبنية على قيم الحداثة و الديمقراطية و العدالة و المواطنة و مؤهلة لكسب تحدي التنمية الشاملة ، وبناء الإنسان المغربي القادر ليس فقط على استيعاب و مواكبة التحولات التكنولوجية و العلمية التي تعرفها البشرية ، بل قادر أيضا على الخلق و الإبداع ، والمساهمة الإيجابية في الحضارة الإنسانية فكرا وإبداعا .  إن إصلاح التعليم هو المدخل الطبيعي للنهوض بأوضاع  الشباب المغربي ،  و فتح أبواب الأمل أمامه لبناء مستقبله ، و تحقيق طموحاته في العمل و الإنتاج والاستقرار الاجتماعي، و تشجيع البحث العلمي و الإبداع الفكري واستفادة المجتمع من طاقاته الهائلة في رقي البلاد وتطورها

5 ـ   تحديث الثقافة الوطنية ودعمها استنادا على هوية شعبنا المتعددة الأبعاد ( العربية ـ الأمازيغية ـ الإسلامية ـ الإنسانية )، بما يسمح بتجديد تراثنا الثقافي و الانفتاح على الاجتهاد المؤسس لنهضة تنويرية و حضارية  حقيقية ، تقطع مع التوظيف السياسي للدين الإسلامي من طرف أية جهة كانت، و تتمثل القيم الكونية للديمقراطية و حقوق الإنسان و المساواة الكاملة للرجل و المرأة.

6 ـ تحرير الإعلام العمومي من الوصاية الخانقة  للدولة ، و دمقرطته ليتحول إلى إعلام يعكس  تعددية المجتمع المغربي  السياسية  والثقافية و اللغوية ، ويساهم في تثقيف المواطنين و توعيتهم و تأهيلهم لولوج مجتمع المعرفة ، واستيعاب مكتسبات الحضارة الإنسانية و التقدم العلمي دون مركب نقص .

7 ـ المساهمة الفعالة لفدرالية اليسار الديمقراطي في نضال قوى التحرر العالمي و الحركات الاجتماعية الاحتجاجية من أجل مواجهة تحديات العولمة الليبرالية و حماية البيئة و حق الشعوب في تقرير مصيرها و صيانة سيادتها و في مقدمتها الشعب الفلسطيني و بلورة بديل اشتراكي متجدد.

   إن هذه الأهداف لا تمثل سوى العناوين الكبرى لكفاح فدرالية اليسار الديمقراطي في المرحلة القادمة، وهي أهداف لا تدعي الفدرالية قدرتها على تحقيقها لوحدها ، بل تدعو بالمناسبة كل قوى اليسار المغربي إلى استيعاب خطورة المرحلة، و الارتقاء بالعمل الوحدوي فكرا و ممارسة، تنظيما و نضالا، إلى مستوى جسامة المهام النضالية المطروحة والتحديات المرتقبة .

يناير 2014