نظرية الديمقراطية المغربية: حقيقة المجتمع المدني المغربي .

الموحدآخر تحديث : الأربعاء 31 أغسطس 2016 - 1:19 مساءً
نظرية الديمقراطية المغربية: حقيقة المجتمع المدني المغربي .

ان المجتمع المدني المغربي ، هو كل مظاهر حياة المجموعة البشرية المغربية ، انه بالتالي هو الارض المغربية ، وهو الرجال المغاربة والنساء المغربيات ، وهو اسلوبهم في التنظيم الاجتماعي والعيش وهو نمطهم في الملكية والانتاج المادي وتوزيع الثروة. كما انه هو طريقتهم في انتاج الثقافة ونشرها واعادة انتاجها. ويمكننا ان نستمر ونستمر في ذكر خاصيات المجتمع المغربي دون ان نستنفذها ، لان تلك الخاصيات لا حصر لها . بكلمة : ان المجتمع المدني المغربي ، هو كل الحياة الظاهرة التي يمكن تلمسها بشكل محسوس ومشخص ، لدى الشعب المغربي ، ان المسالة ، على سبيل المثال المجرد ، تشبه قطعة السكر. فكما ان الذي يعدد هوية السكر ، هو لونه الابيض ، وطعمه الحلو ، وشكله المكعب … الخ. فكذلك ان الذي يحدد هوية المجتمع المدني المغربي ، هي كل خاصياته الظاهرة وصفاته الملموسة . لكن المجتمع المغربي ، ليس هو كل خاصياته الظاهرة فحسب، تماما كما ان قطعة السكر ، لا يمكن اختزال حقيقتها في خاصيتها الظاهرة فقط ، ان الوقوف عند حدود الخاصيات السطحية ، لا يمكن ان ينتج سوى معرفة سطحية ، ولذلك من اجل انتاج معرفة علمية ، لابد من تحقيق قفزة الانتقال من الظاهر الى الباطن .. من السطح الى العمق .. من الملموس الى المجرد .. من المباشر الى اللامباشر .. او بعبارة / كما يحلو لهيجل ان يقول: لابد من انشطار الواحد الى اثنين . لماذا وكيف اذن المجتمع المدني المغربي ، ليس هو الملموس فقط ، بل هو المجرد ايضا ، وليس هو الهوية وحدها ، بل والاختلاف كذلك ؟ لماذا السطح الظاهر الذي يبدو وكانه واحد ، انما هو في حقيقته منقسم على نفسه الى اثنين متناقضين ، ولكنهما موحدان في نفس الوقت ؟ اكثر من ذلك : لماذا في وحدة الضدين تلك .. في وحدة الظاهر والباطن .. السطحي والعميق .. الهوية والاختلاف ، ان الطرف الظاهر لا يمثل سوى وجود تابع للطرف الخفي ، الذي هو حقيقة وجوهر الاول. لتوضيح ذلك يتعين علينا العودة الى مثال قطعة السكر . قلنا في البدء ان السكر هو الخاصيات المحسوسة ، من لون وطعم ، وشكل ، وغيرها ، ثم قلنا بعد ذلك بان المحسوس ينشطر الى اثنين ، بمعنى ان ما وراء المحسوس الظاهر ، يوجد المجرد الخفي ، وان المجرد هو حقيقة الملموس . واذن ما هو الشيء المجرد بالنسبة لقطعة السكر ؟

ان السكر قبل ان يصبح جاهزا للاستهلاك في فنجان القهوة ، قد خضع في الاصل لعملية الانتاج داخل المعمل. واذن فان السكر هو نتاج لعمل العامل الذي صنعه .. نتاج العمل الذي حول المادة ما قبل المصنعة الى مادة مصنعة من السكر . ان السكر اذن يتضمن العمل المصروف في انتاجه ، وهو يتضمنه لا كشيء متميز عنه ، بل متوحد معه توحدا كليا. لان الوحدة بين المادة السكرية والعمل ، هي وحدة مطلقة ، باعتبار ان العمل يوجد في كل ذرة من ذرات السكر ، من هنا يستحيل التمييز بين العمل والسكر, هما شيء واحد . وفي الحقيقة ان ملموسية العمل ، لا نلمسها فقط في السكر في حد ذاته كنتاج نهائي مكتمل التصنيع ، وانما نلمسها ايضا ، منذ اللحظة الاولى التي شرع فيها العامل في صنع السكر ، فهذا العامل يستحيل عليه صنع السكر ، بدون ان يكون عمله عملا ملموسا في المنطلق ، أي بدون تحديد هدف ملموس ، ودون استعمال وسائل الانتاج الملائمة ، ودون تركيز الذهن على الهدف المنشود ، في المنطلق قرر العامل صنع السكر وليس شيئا اخرا من هنا ملموسية هدفه وعمله .

ان العمل المصروف في انتاج السكر ، هو عمل ملموس . هذه اذن هي النتيجة الاولى لذلك التحليل وهذا هو الوجه الاول للمسالة . لكن ما هو وجهها الثاني النقيض ؟ .ان العمل المصروف في انتاج السكر ، هو عمل ملموس .هذه اذن هي النتيجة الاولى لذلك التحليل وهذا هو الوجه الاول للمسالة . قلنا العمل الملموس ، لكن ما هو العمل الملموس ؟ انه هو قوة العمل المتحركة صوب انتاج منتوج معين . وما هي الطاقة المحركة لقوة العمل تلك ؟ انها هي العضلات والاعصاب التي يستهلكها ويحرقها جسم العامل ، من اجل توليد تلك الطاقة .الاصل اذن هو الاعصاب والعضلات ، التي هي بمثابة الوقود لتوليد طاقة العمل ، ان طاقة العمل ، في منشئها الاصلي ، هي اذن طاقة مجردة غير مرتبطة بشكل محدد للعمل . ولذلك فان ارادة العامل ، هي التي تضفي عليها شكل العمل المجسد في السكر ، او المجسد في القطران فقبل ان يصبح العمل ملموسا ، كان اذن مجردا ، والمجرد هو هو حقيقة الملموس وجوهره .لكن لا يجب الفهم من ذلك القول ، بان هناك نوعين من العمل : عمل ملموس والآخر مجرد ، بل هناك عمل واحد فقط ، انما هو متعارض مع ذاته ومنقسم على نفسه بين قطب ملموس وقطب مجرد . ان قطعة السكر هي في نفس الوقت ، نتاج لعمل مجرد ولعمل ملموس . لعمل مجرد : قوة العمل الضرورية لإنتاج السكر تتطلب في حد ذاتها استهلاك كمية معينة من الاعصاب والعضلات ، لتوليد طاقة العمل كعمل في حد ذاته . ولعمل ملموس : لان العامل وضع نصب عينيه تحقيق هدف محدد ، هو انتاج السكر .

ان الخلاصة النظرية العامة ، التي يجب استخلاصها من التحليل السابق ، هي التالية : لا يجب النظر الى قطعة السكر بنظرة واحدة الجانب ، بل النظر اليها في انشطارها الى اثنين متعارضين . النظر اليها في وحدتها المتناقضة . هذه خلاصة حاسمة على الصعيد المعرفي . وعلى فهمها يتوقف فهم كل العرض اللاحق . لذلك من المستحسن ، ومن اجل المزيد من ترسيخها في الذهن ، توضيحها ببعض الامثلة المركزة الملموسة .ان التفاحة ، مثلا ، التي اعضها واتلذذ بأكلها ، هي بالنسبة لي ، في صورتها المباشرة ، مجرد كيف ، لكن وراء الكيف الظاهر المباشر ، يوجد الكم الباطن اللامباشر . فالتفاحة قبل ان تكون كيفا ، هي في الاصل كم . وهذا الكم يعبر عن نفسه بواسطة ملايير الملايير من الذرات التي تتشكل منها التفاحة .مثال اخر : المثلث . في صورته المباشرة ، هو شكل هندسي مكون من اضلاع وزوايا ومساحة . لكن وراء تعبيره الهندسي المرئي الملموس ، يوجد تعبيره الرياضي المجرد الذي هو : نصف حاصل ضرب القاعدة في الارتفاع. مثال اخر : في القرن التاسع عشر ، الف الموسيقار النمساوي يوهان شتراوس ، موسيقى فالسية سماها : الدانوب الازرق الجميل ( نسبة الى نهر الدانوب المار من فينيا ومن عواصم اوربية اخرى ) ان فالس شتراوس هذا ، كله يقطر جمالا ومرحا وسلاما ، لكن وراء الدانوب الازرق الجميل ، يوجد الدانوب الاحمر القبيح ، الذي صنعته دماء الحروب الاوربية المدمرة ، من نابليون الى بسمارك . ويمكننا ان نستمر في جرد هذه الامثلة ، بدون ان نصل الى نهاية ، لان كل ما هو موجود – بالمطلق- هو عبارة عن وحدة ضدين . والان لنعد الى مجتمعنا المدني المغربي . في صورته السطحية المباشرة ، ان المجتمع المغربي هو كل مظاهر حياة المجموعة البشرية المشكلة له. لكن ماذا وراء السطح ؟ .

ان المجتمع المدني المغربي ، لكي يوجد ويستمر في الوجود ، لابد له من وسائل العيش المادي والروحي. لكن وسائل العيش تلك هي بدورها في حاجة الى من ينتجها .. في حاجة الى وسائل الانتاج .. اين توجد وسائل الانتاج هذه ؟ انها من حيث الاساس ، ليست تحت مراقبة المجتمع المدني ككل ، بل تحت سيطرة طبقة اجتماعية هي البورجوازية. واذن فالبرجوازية هي القطب الثاني النقيض للأول لان ما وراء المدني يوجد الطبقي . وما وراء السطح الملموس، يوجد العمق المجرد. معنى هذا ان المجتمع المدني يمكن تجريده في طبقته السائدة .

لكن ذلك التجريد الطبقي هو شيء مثالي ، موجود فقط في الخيال والفكر والتحليل ، اما في الواقع فان الطبقة المجردة لا وجود لها ، لأنه يستحيل فصلها عن جسم المجتمع المدني الذي توحدت معه توحدا تاما . بهذا المعنى يصح القول بان المجتمع المدني هو طبقته السائدة ، وان الطبقة السائدة هي المجتمع المدني ولذلك فان الوسيلة الوحيدة لفصل الطبقة عن المجتمع ( وهو شرط ضروري لامتلاك الواقع بشكل ملموس ) ، هو التجريد . من هنا رغم ان التجريد شيء مثالي ، لا وجود له خارج دائرة الفكر ، الا انه تجريد يعكس واقعا فعليا .

والخلاصة : ان الطبقة السائدة – التي تعارض ، وتتميز عن وتختلف عن المجتمع المدني المغربي ، لكن في نفس الوقت تتوحد معه توحدا مطلقا — هي حقيقة المجتمع المدني المغربي . وهذا الاخير هو وحدة الملموس المدني والمجرد الطبقي .

عبد السلام المؤذن

جريدة انوال 1988

2016-09-01 2016-08-31
أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

الموحد