هيغل فيلسوف الحرية والقانون

آخر تحديث : الخميس 23 يونيو 2016 - 4:39 صباحًا

هيغل فيلسوف الحرية والقانون

  تشكل  الحرية مفهوم أساسي في فلسفة هيغل بشكل عام،وفي فلسفته السياسية على وجه الخصوص، التي نجدها حاضرة بقوة في النسق الهيغيلي ، هذا الحضور القوي للحرية  يعود  لاعتبارات متعددة لعل أبرزها الحقبة الحديثة التي عايشها هيغل، والتي كانت حقبة حرية بامتياز،الحقبة التي شكلت فيها الحرية  النقطة الاساسية والجوهرية للاختلاف بين القدامة والحداثة وهي تثير (الحرية) مجموعة من الاشكالات المتداخلة، والمرتبطة  بتحديد مجالها ونقطة بدايتها ومجال إشتغالها؟

 تتسم الحرية بشكل عام  بطابعين اثنين:

اقرأ أيضا...

أولهما، أنها فكرة مبهمة في الاذهان، غامضة في الافهام، قابلة لشتى صنوف التأويل، وضروب التفسير؛ بل إنها لا تفوقها فكرة أخرى في طابعها المبهم الغامض حمال الاوجه.

ثانيهما، أنها الفكرة التي ليس من شأنها أن تعي ذاتها من حيث تحققها ومن حيث كونها” ماهية الروح” و”تجسيدها الواقعي”.[i]

فالحرية وجه من أوجه الحق ، لارتباطها  بمفهوم الارادة  الحرة المرتبطة بالتفكير العقلي لدى هيغل،والا رادة والحرية مفهومان متلازمان في فلسفة هيغل،وهي (الارادة) وجه من أوجه الحرية التي يميز فيهاهيغل بين ما يدخل في النظر وبين ما يدخل في العمل، و في نفس الوقت تؤسس لمفهوم الحرية بالمعنى السلبي والمعنى الايجابي، فالأول هو عندما ترتبط بسلب الذات، والتخلي عنها، وعن خصائصها،أما الارادة التي لا تريد إلا ذاتها فهي أساس كل حق وإلزام، لأنها أساس كل قوانين الحق والواجبات، وكل الالتزامات المعتمدة،بل إنها هي ما يجعل الانسان إنسانا،أي هي مبدأ الروح الانساني.[ii]

فهيغل يتناول الحرية كمفهوم جدلي، وكنتاج للتناقضات الداخلية في جوهر طبيعتها، وهي تكشف عن مظاهر جديدة في كل مرحلة من المراحل المختلفة للتطور، إلى أن تكتمل العملية برمتها. وفكرة الحرية تبلغ مداها في بنية الدولة الحديثة والعقلانية. فالحركة هنا كانت إنطلاقا من مفهوم مجرد للحرية ومرتبط بإرادة فردية واحدة باتجاه حرية ملموسة ومجسدة في جماعة سياسية، أي كنظام عقلاني للإرادة.[iii]

والمجال الطبيعي والاجتماعي عند هيغل كلاهما معقولين : والعالم الروحي عنده هو عالم القوانين الاخلاقية، هذه القوانين الاخلاقية  هي أعلى شأن من القوانين الطبيعية، وذلك لانها ترتبط بالدرجة الاولى بعالم الحرية الذي تتحقق فيه بشكل موضوعي في عالم الحق.[iv] هذا العالم هوعالم المؤسسات والمنظمات الاجتماعية، القائمة على مجموعة من القوانين الاعراف والعادات  الاجتماعية المختلفة التي تؤطر مفهوم الحرية عند هيغل والتي لاينبغي الخروج عنها.

والحرية العاقلية  والرضا مفاهيم أساسية في العالم الخارجي الذي هو عالم الحق حيث يكون هذا العالم في البداية عالم فارغ بلا مضمون، وفي مواجهة هذا العالم تسعى الذات إلى تأسيس عالم القلب والوجدان والحياة الداخلية، أي عالم الاخلاقية، الذي ينعدم  فيه الواقعية، ولذلك لكي تكون هذه المفاهيم ذات مضمون واقعي فهي تفترض عالم “الحياة الاخلاقية” عالم التوافق ما بين الحرية والقانون، وهذا العالم لا يتحقق دفعة واحدة؛ بل إن الروح الموضوعية تسير فيه سيرا من “عالم الاسرة” حيث العنصر الاخلاقي مازال يحيا حياة غامضة، أي حياة طبيعية إن صح القول بمعنى حياة حب وحنان أبوي، إلى عالم المجتمع المدني، عالم النور والوعي، عالم الارادة والمعرفة، عالم الفردية والمصلحة والانانية، حيث يتحول رابط الدم الطبيعي، أي عالم العاطفة والوجدان والحنان(الاسرة)، إلى نقيضه، نعني عالم المال بلا عاطفة أو وجدان أو عنصر أخلاقي(المجتمع المدني)، ولا يجد هذا العالم مكمله إلا في دائرة الدولة، حيث وحدة الفرد والجماعة والحق والاخلاقية، وهو العالم الذي تتحقق فيه العاقلية والحرية والرضا.[v]

لذلك  اعتبر مفهوم الحرية عند هيغل مفهوما سياقيا، أي أنه يتناول الحرية دائما في سياق اجتماعي أو أكثر، وتحديدا في سياق التفاعل الانساني، مما يجعلها حرية ملموسة.

و من خلال تتبع ورصد هذه الحرية عند هيغل، نستنتج أربعة أنواع رئيسية تصاحبها أربع سياقات، وهي الحرية الطبيعية، الحرية الاخلاقية، الحرية المدنية، والحرية السياسية.[vi] فالحرية الطبيعية هي التي ترتبط بالجانب الطبيعي لدى الفرد والتي ترتبط بالغرائز الطبيعية حيث تكون الارادة هنا مباشرة، والحرية الاخلاقية حقيقية ولا نستطيع الوصول إليها إلا داخل جماعة أخلاقية.

الحرية المدنية:هي في قلب المجتمع المدني، حيث مميزات الخصوصية والذاتية، يتفاعل الناس بأقل قدر من ضغط الاخلاق والقانون، فعندما تكون الخصوصية والذاتية مؤطرة، بشكل ملائم، بنظام موضوعي يعطيها حقوقها، فإنها تصبح آنذاك مبدءا منشطا للمجتمع المدني، ولتطور النشاط الفكري. فلكل موقع اجتماعي دوره الاجتماعي، في مقابل واجباته الاجتماعية. إن الالتزامات الاخلاقية تتوقف،

في المجتمع المدني، عن كونها مجرد عادات وأعراف، ولكنها تصبح قوانين مصاغة بكل وضوح وإرادة ووعي. ويلاحظ هيغل تقسيم العمل، وتخصص كل فرد في جزء منه، يفقده المهارات الاخرى، بحيث أن الشعوب الحرة تستمد وعيها ونشاطها من حفاظها على تلك الكلية، في حين أن الشعوب الحديثة ليست حرة، لان الحرية المدنية إنما تعني بالتحديد، الحرمان من الكوني، إذ أصبحت مبدأ للعزلة. على أن الحرية المدنية لحظة ضرورية، لم تكن الدول القديمة تعرفها، أي أنها لم تكن تعرف ذلك الاستقلال عن الكل، وعن الحياة العضوية العليا، وحينما تتميز الدولة بهذه الصفة، فإن حرية أعلى سوف تنبثق.[vii]

وهي الحرية السياسية هي أرقى لحظة في تطور الإرادة من أجل تقرير المصير الذاتي، وهو يجعلها حقا كونيا لكل المواطنين وإن كان ذلك بشكل متحفظ، والدولة تبقى ضرورية حيوية بالنسبة لهيغل لتجسيد الحرية أي العقلانية.[viii]

إن الحرية السياسية متميزة عن الحرية المدنية، بالنسبة لهيغل، وتلك هي تخريجته عن “الارادة العامة”، عكس روسو الذي ينظر إليها ك اختيارات فردية، معيارها الوحيد هو المصلحة الفردية، بغض النظر عن أية مؤسسة متعالية، ويكون الحسم فيها عن طريق التصويت الفردي على القوانين وغيرها، بمعنى أن هناك إرادة موضوعية في مقابل إرادة ذاتية أو إرادات ذاتية، وهنا يكمن إختلافهيغل مع روسو. لا تكون الارادة العامة ذات قيمة، إلا عندما يشارك الفرد في قرارات الجماعة، ليكون حرا ومساهما في سيادة جماعته. وعلى الرغم من أن الحرية السياسية الهيغيلية، قد نحتت بفضاضة إلا أنها شكلت اللبنة التتويجية في نظريته حول الحرية.[ix]

إذن يتضح أن طبيعة الاشكال الفلسفي لمفهوم الحرية لدى هيغل، يطرح مجموعة من الاشكالات المتداخلة والمترابطة، في مجالات الطبيعة والاخلاق، والمجال المدني والسياسي، والذي يتداخل في تحديدها ماهو تاريخي وإجتماعي إنساني بالدرجة الاولى، يتراوح ما بين الذاتي الجزئي والكلي، مابين الكوني والخصوصي، مابينمايرتبط بالفرد كفرد، ومابينمايرتبط بالجماعة، الشئ الذي يجعل هناك إختلاف في وجهة النظر للحرية عند هيغل، من مجال إلى أخر ومن سياق إلى أخر ومن وضعية إلى أخرى.

فإقرار هيغل بضرورة التسليم بالحرية كمعطى من معطيات الشعوب أو كواقع من وقائع الوعي، هو بمثابة  دعوة إلى ضرورة الإيمان بها(الحرية) لأنها واجب بكل بساطة، وهذا يعني أن هيغل من الفلاسفة الذين أعطوا قيمة عليا للحرية، على خلاف ما يحكى عنه. بحيث أن هذه الحرية مرتبطة بنفسها فهي بالضرورة إرادة حرة، “ومن ثم فإن الروح الموضوعي يقوم على فكرة الإرادة الحرة، والمؤسسات المختلفة هي منتجات للحرية : فالقوانين هي شروط للحرية. وبوصفي محكوم بالقانون، فأنا محكوم بالكلي أعني الذي أسقطه أنا نفسي على العالم. وأنا بالتالي محكوم عن طريق ذاتي فأنا إذن حر. وهناك بالطبع عبر التاريخ كثير من القوانين التي كانت ولا زالت جائرة وظالمة، لكن أمثال هذه القوانين ليست نتاجا للكلي، وبالتالي فهي تجليات للاحرية. ومن هنا فإن القانون الذي وضعته مصالح طبقة خاصة أو مصالح شخص واحد( كالملك مثلا في الحكومات الاستبدادية غير المنظورة التي قد يصد فيها الملك قوانين لمصلحته الشخصية فحسب) لم يصدر عن الماهية الكلية للروح كروح، لكنها وعلى العكس تتضمن الاهداف الشخصية للأفراد التي تتعارض صراحة مع الكلي، ومن ثم فأنا حين أطيع مثل هذه القوانين لا أحكم نفسي لكني أخضع لنير العبودية. أما الطبيعة الداخلية للقانون بوصفه قانونا حقيقيا فهي أن يتضمن الكلية أعني أن يتضمن أنا نفسي.”[x]وفي هذا الصدد سينتقد هيغل التصور الذي يعتبر الحرية بأنها القدرة على الفعل ما نشاء، وكذلك التصور الذي يقول بأنها مجرد اختيار،  لأنهما يكونان بهذا الشكل مضادان للحرية ولفكرة الروح، لأن هذان التصوران يقومان على إقصاء العقل، ويجعلان النزوات والرغبات الطبيعية هي المتحكمة والتي تؤدي إلى إقصاء فكرة الروح.[xi]

هيغلإذن فيلسوف الحرية بامتياز، هذه الحرية تكون  للجميع وبالتساوي،ويكون شعور الفرد الواقعي بهاته الحرية عن طريق العمل داخل مختلف  المؤسسات بالانطلاق من مؤسسة الاسرة التي هي أول المؤسسات التي يبني عليها هيغل باقي المؤسسات الاخرى الاجتماعية والمدنية والاقتصادية والسياسية.

و الحق والحرية متلازمان معا؛ بحيث أينما ذهب الحق إلا وتوجد فيه الحرية مادام الأمر عنده مرتبط بحرية الإرادة، إلا أن هذه الحرية لكي تكون أكثر واقعية فلابد لها أن تتجسد في شئ خارجي.

وتبقى مفاهيم الحق والحرية والإنسان مفاهيم أساسية ومهمة في فلسفة هيغل السياسية والتي يبني عليها تصوراته المؤسساتية الرصينة من أجل صيانة الإنسان وحمايته من أجل كرامته،لان هدفه وهمه كان هو ”  تحرير الإنسان”. ولذلك فهو  يعتبر من مؤسسي علم تحرير الإنسان المستلب الموجودة أركانها وأسسها بكاملها عند الرجل.

 هذا التحرير وهذا التصالح الشامل الغير متحققين عندنا، فالعلاقات الإنسانية مازالت ترتبط بالانفعال، والتحكمية والصدفة والعنف، ولأن الوساطة لم تنته بعد، لأجل كل هذا مازالت الحياة غير معقولة، ما يشكل بالنسبة لنا النقد الصارخ للأزمنة المعاصرة بالنسبة في بلداننا العربية الاسلامية، التي لازالت تتخبط فيها كل مظاهر التبعية والخضوع بمختلف تجلياته والحاضرة بقوة، والتي لم نستطع بعد التحرر منها.

رغم أن هذا التحرر أصبح يواجهه مجموعة من الاشكاليات، في عصر تعددت فيه مظاهر وتجليات الاستلاب التقني والعلمي المختلف، ليضل الإشكال مفتوح على مختلف المجالات الفلسفية من أجل إيجاد مخرج لهذه الإشكالية الفلسفية العقيمة في الفترة المعاصرة ، إشكالية حرية الإنسان، أو بمعنى آخر تحرير الإنسان من الهيمنة المتعددة الأبعاد والأوجه…؟

[i]– محمد الشيخ ،فلسفة الحداثة في فكر هيغل،ص 322.

[ii]– مرجع سبق ذكره، ص ،313و314.

[iii]– PELCZNSKI Z.A, politicalCommunity and IndividualFreedom in Hegel’sPhilosophy of State, in, PELCZYNSKI. Z.A(ed), the State..P 63.

[iv]– محمد الشيخ ،فلسفة الحداثة في فكر هيغل،ص289.

[v]– مرجع سبق ذكره،ص294.

[vi]– محمد الغيلاني،إشكالية المجتمع المدني في الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي الحديث،أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه الوطنية،تحت إشراف د.محدسبيلا،جامعة محمد الخامس، كلية الاداب والعلوم الانسانية الرباط. السنة الجامعية 2001-2002،ص147و146.

[vii]– KERVEGAN J .F , HEGEL, C.SCMIT . Le politique entre spéculation et positiveité .PUF 1992.P186.

[viii]– محمد الغيلاني،إشكالية المجتمع المدني في الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي الحديث،أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه الوطنية،تحت إشراف د.محدسبيلا،جامعة محمد الخامس، كلية الاداب والعلوم الانسانية الرباط. السنة الجامعية 2001-2002،ص149.

[ix]– مرجع سبق ذكره،ص149.

[x]– ولتر ترنسستيس، فلسفة هيغل،المجلد الثاني، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، 1996،ص 511.

[xi]– هيغل ، أصول فلسفة الحق، إمام عبد الفتاح أمام، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، الطبعة الثالثة،2007.ص115-125. [1]- محمد الشيخ ،فلسفة الحداثة في فكر هيغل،ص 322. [1]- مرجع سبق ذكره، ص ،313و314. [1]- PELCZNSKI Z.A, politicalCommunity and IndividualFreedom in Hegel’sPhilosophy of State, in, PELCZYNSKI. Z.A(ed), the State..P 63. [1]- محمد الشيخ ،فلسفة الحداثة في فكر هيغل،ص289. [1]- مرجع سبق ذكره،ص294. [1]- محمد الغيلاني،إشكالية المجتمع المدني في الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي الحديث،أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه الوطنية،تحت إشراف د.محدسبيلا،جامعة محمد الخامس، كلية الاداب والعلوم الانسانية الرباط. السنة الجامعية 2001-2002،ص147و146. [1]- KERVEGAN J .F , HEGEL, C.SCMIT . Le politique entre spéculation et positiveité .PUF 1992.P186. [1]- محمد الغيلاني،إشكالية المجتمع المدني في الفكر الفلسفي والاجتماعي والسياسي الحديث،أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه الوطنية،تحت إشراف د.محدسبيلا،جامعة محمد الخامس، كلية الاداب والعلوم الانسانية الرباط. السنة الجامعية 2001-2002،ص149. [1]- مرجع سبق ذكره،ص149. [1]- ولتر ترنسستيس، فلسفة هيغل،المجلد الثاني، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، 1996،ص 511. [1]- هيغل ، أصول فلسفة الحق، إمام عبد الفتاح أمام، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، الطبعة الثالثة،2007.ص115-125.

أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

المصدر :http://wp.me/p6l3Qc-17y