بيـن أحضـان الفـن الممسـوخ

آخر تحديث : الخميس 11 فبراير 2016 - 1:45 صباحًا

بيـن أحضـان الفـن الممسـوخ

زكرياء الشافعي – فاعل شبيبي (حشدت).

 بين الفن والعفن حرف واحد فقط، لكن هذا الحرف كفيل بصنع الفارق الرهيب بين المعنى ونقيضه. الفن هو الخير، هو الجمال والإنسان، وحياة بلا فن تستحيل إلى عيش بهيمي بدائي مرتد عن الطفرة الحضارية.

ولأن التخلف بصمة أصيلة لدينا. لا بد من إضافة عين العروبة على هذا الفن ليصبح عفناً. إلى عهد قريب، كان العين العربي بعيداً عن مدارك العفن، بل كان عين اعتزاز بالانتماء لكوكب الشرق العظيم.

حينما تعود بك الآلة وتحطك أيام الزمن الجميل، وتضعك خلسة في صدفة تاريخية أمام إحدى روائع شحرورة الفن العربي صباح الراحلة حديثاً عن عالم الرداءة، أو مقطع هائم لسيدة هذا الفن أم كلثوم المرحومة. تدرك أن عين العرب ليست بالضرورة رمزاً للعفن. بل في الواقع، تشعر بالاستفزاز الزمني. وهو شعور قاسٍ يمكن أن ينتاب أي شخص يحس بخذلان الحاضر وذلته أمام جبروت الماضي. سيما إن كان أحد المنتمين إلى الجيل الجديد.

وعلى خلاف النظرة الدونية لجيلنا، لا شك لدي أن هذا الجيل زاخر بالمواهب والطاقات والمبدعين، وقادرٌ على إنتاج المعنى. غير أن الصدفة شاءت أن تضعنا في زمن اللامعنى، وهو منطلق لفهم أمور أساسية جداً:

أولاً: ما يُصطلح عليه بـ الردة الفنية التي يعيشها الفن والغناء ليست صنعاً حصرياً بالساحة العربية، بل إنها تأتي في سياق دولي موشوم بعولمة رأسمالية، تسعى لقتل المعنى وتشييء الإنسان. فقد اعتلى عرش الأغنية العالمية مقاطع وألبومات سخيفة يستقيل بين نغماتها العقل لصالح الغريزة.

ثانياً: بالعودة إلى سنوات مضت، نستشكف ألبومات عالمية لفنانين كبار كان سهمهم الكلمة القوية والإحساس المرهف، من أمثال سيلين ديون وبراين أدامز وغيرهما. لكن الموجة الغنائية الجديدة همشت دور الكلمات وحولت المركزية نحو النغمة والرعشة والانفعال. ولنا المثال في أغنية Psy المعنونة بـ”Gangam style” والتي حققت ضجة كبرى سنة 2013، وحصلت على ما يزيد عن مليارين ونصف المليار مشاهد. وهي في الواقع ليست سوى أغنية عادية جداً، لا تنبني على أي مغزى واضح أو كلام مفهوم.

ثالثاً: يظل الـYoutube مدخلاً رئيسياً لفهم الظاهرة الغنائية العالمية، ومن خلاله يكون بمقدورنا الحكم على نسبة نجاح وشعبية الأعمال الفنية. ولنكون أكثر دقة وواقعية، فإننا اليوم أمام فنانين يلهون في الصدارة من طينة إيكي إيزيليا. إبنة كاليفورنيا التي تحظى بمعدلات مشاهدة لا تقل عن 200 مليون مشاهد للمقطع الواحد، تنحصر مواضيع أعمالها في عناوين مثل:Pussy,Fancy,Bounce,No money no honey. وهي ليست الوحيدة في مركز الفن العالمي هوليود التي تطرب الجمهور بهذه النوعية من المواضيع المتمحورة فقط حول المال والجسد.

رابعاً: تأثر الغناء العربي تأثراً فاقعاً بهذا التوجه العالمي، رغم أن الفرق بيننا وبين أولئك الآخرين كالفرق بين سابع سماء وأسحق أرض. فإذا كان الأميركيون يتفاعلون مع الحياة فنياً بهذه الطريقة المجنونة، فإنهم على الأقل يمتلكون الكثير من الأشياء ليحتفلوا بها. وضمنوا الحدود الدنيا للحياة الكريمة التي تكون اللامبالاة معها ممكنة ومقبولة. أما نحن، فلازال المشوار أمامنا طويلاً لنهجر همومنا الجماعية. الفن في واقع عربي تخيم عليه أجواء الفوضى والاستبداد ينبغي أن يكون في خدمة قضايانا الكبرى. مخطئ تماماً من يظن أن وظيفة الفن والغناء تنحصر في الجانب المتعوي فقط، وهو بالتأكيد لم يستمع إلى جوليا بطرس حين صدحت ضد الظلم في رائعتها “غابت شمس الحق”، أو فيروز التي أعلت همم المقاومة والنضال ضد الاحتلال الغاشم عندما غنت “الغضب الساطع”.

إلى ذلك، فأنا لا أنادي بفن متحفظ يلعب في مساحة محدودة. فالأصل في الإبداع الحرية، وحين يختار البعض أن يتكبد عناء سفر طويل نحو مطارٍ بعيد ليستقبل مطرباً ما فله كامل الحق في ذلك، ومرادي لا يمكن أن يتجه نحو الوصاية على الأذواق. بل لا بد أن يتحمل الجميع مسؤوليته في الرقي بها وإعادة المعنى إلى ما ينصت إليه الشباب، حتى ننقذهم من مخدرات لا تبني الوزارات الوصية أي مراكز علاج لها.

لست كائناً يقدس الزمن الغابر، والبكاء على الأطلال لا يستهويني. لكنني إنسان يبحث عن الجوهر في كل شيء، وبات من الواضح أنه يحتضر اليوم بين أحضان الفن الممسوخ.

أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

المصدر :http://wp.me/p6l3Qc-112