باريس .. مأساة وأمل

آخر تحديث : الثلاثاء 24 نوفمبر 2015 - 12:07 مساءً

باريس .. مأساة وأمل

زكرياء الشافعي، ناشط شبيبي.

كشف لنا الحادث الظلامي، الذي اقتحم عنوة عاصمة الأنوار العالمية، أكثر من معضلة وأكثر من مأساة. فمن جهة، فإننا، والى جانب أصحاب الضمائر الحية، لا يمكن إلا للحزن أن يتسلل إلى قلوبنا تضامنا مع  تلك الأرواح البريئة التواقة للفرجة والحياة في مسرح “باتلاكان” و”استاد فرنسا الدولي” والتي اختطفتها قوى الموت الأسود في لحظة غدر حقيرة .

اقرأ أيضا...

بيد أن الخبر بذاته ليس مصدراً وحيداً للهم والقلق، المشكلة تكون أكثر تعقيداً حينما نعلم أن مئات الآلاف من الجالية المسلمة عبر العالم مرشحة لدفع الثمن، ولو معنوياً. وقد تعاني من تصاعد موجات العنصرية والشك ضدها، كما أن اليمين المتطرف سيجد أرضية ملائمة لبث خطاباته المشحونة في الدول الأوربية، التي قد تتجه مستقبلاً إلى فرض المزيد من القيود على من يرغب في زيارة أراضيها أو الاستقرار في رحابها .

ولعل الفاجعة لا تقف عند هذا الحد ، فما بين الفعل ورد الفعل ، تنكشف لنا أزمة ضمير جماعية في التعاطي مع أبشع السلوكات البشرية. عندما يُقتل الأبرياء ، يفترض أن تنمحي كل الحسابات التاريخية والحزازيات الأخلاقية والاختلافات السياسية ، وأن يسمو الحس الانساني المشترك فوق كل هذه الاعتبارات ، وبالتالي يكون التضامن رد الفعل الطبيعي ، وهو ما عبّر عنه بالفعل العديد من الناس عبر العالم.

غير أن تياراً آخر قد ظهر مستنكراً للسلوك التضامني بحجج مختلفة : أولاً، هناك من استنكر على إخوانه المغاربة التضامن مع فرنسا، باعتبارها “مستعمِراً” تاريخياً للبلد. وبالمصادفة ، فاننا نعيش في خضم أجواء الاحتفال بعيد “الاستقلال”. بالطبع ، لا أحد بمقدوره إنكار فترة “الحماية” التي فرضتها فرنسا على المغرب لعدّة عقود . ولا أحد بوسعه أيضاً ، نفي ما يقع إلى الآن من هيمنة متوحشة في تعامل الحكومات الفرنسية المتعاقبة مع مستعمراتها القديمة . غير أننا في حاجة إلى التفريق بين الإدارة الفرنسية وحكامها ، وبين الشعب الفرنسي . هناك من يهاجم التضامن الواسع من منطلق ديني ، غير أن هذا المنطلق نفسه يقول في الآية الشهيرة ” ولا تزر وازرة وِزر أخرى ” .

 ومن المؤكد أن ضحايا هجمات 13 نوفمبر هم مجرد أناس عاديين حاولوا اغتنام فرجة ممتعة لنسيان هموم الحياة ورتابتها، ولا قبل لهم إطلاقاً بوثيقة الحماية الصادرة في عشرينيات القرن الماضي.

ثانياً، انبرى العديدون لمهاجمة حملة التضامن الواسعة استناداً إلى ما تمارسه فرنسا في سياساتها الخارجية بالشرق الأوسط . وهُنا نعود للنداء بضرورة التفريق بين السياسات والشعوب، ما يقع في عالم العلاقات الدولية شيء ، ولكن حياة المدنيين شيء آخر تماماً، بل قد نجد من بين هؤلاء ناشطون من اجل السلام وحقوق الإنسان، ومناهضون للسياسة الفرنسية ضد باقي الشعوب المقهورة

 إن التضامن المبدئي كان مُحركه إنسانياً بالدرجة الأولى، وربما ثقافياً بدرجة ثانية، بما أننا على علاقات وازنة مع الشعب الفرنسي، ولنا في باريس جالية لا يُستهان بوزنها العددي والاجتماعي.

 . ثالثاً، يبرر البعض عزوفه عن التضامن، بل وانتقاد السلوك التضامني مع الضحايا، بكون التنظيم (القصد هنا عصابة داعش) المسؤول عن هذه الهجمات صنيعة مؤامرة تحيكها القوى الإمبريالية العظمى، التي من ضمنها فرنسا نفسها .وبغض النظر عن مدى صحّة هذه القراءة ، فما ذنب Patrica San Martine ؟ شابة مُسالمة قيل أنها كانت في صدفة خبيثة بالـ”باتلاكان” قبل أن تغتالها عقلية التدمير . ما علاقة أمثالها بأمور كبيرة كالدسائس والمؤامرات ؟

رابعاً، تساءل البعض عن جدوى إبداء التعاطف والمؤازرة مع الدماء الباريسية ، وإهمال الأرواح التي تزهق يومياً ظلماً في بقاع شتى . وهو تساؤل مشروع جداً ، فالاعلام الدولي ماكر في توجيه العواطف والتحكم في أحاسيس الناس، وبما أن التضامن محركه منبع أصيل وجامع إسمه “الإنسانية” ، فإنه لا يُفترض فيه أن يستثني أي إنسان قُتل ظلماً بغض النظر عن جنسيته وانتماءاته.

التضامن الواسع مع باريس وإغفال مناطق أخرى من العالم يعود إلى سبب مهم ، بالإضافة إلى التوجيه الإعلامي ، وهو أن دولة ديموقراطية ومستقرة مثل فرنسا لم تعهد مثل هذه الهجمات في تاريخها المعاصر. بينما المناطق التي تسقط فيها الأرواح يومياً أصبح من المعروف أنها بؤر صراع وتوتر ، بل تكاد تستحيل إلى ساحات حرب، وهو ما جعل أخبار الموت فيها تكاد تكون عادية وعابرة .

غير أن هذا لا يُسقِط، بحال من الأحوال، واجب الضمير العالمي تجاه أولئك الضحايا، وأنه مهما تكاثرت أعدادهم، فلا شيء يبرر الفتور والبرود في التعامل مع تلك الأخبار المفجعة التي تباغتنا . فروح أي إنسان-ة ، كائناً من كان ، ينبغي أن تكون مقدسة ومصونة عن أي اعتداء مدنس ولو كان باسم المقدس .

نؤمن بعمق بأن الظلام مهما كان شديداً ففي أفقه شمعة مضيئة . لذا ، نعتقد بصدق وتفاؤل أن المأساة سحيقة لكن الأمل كبير ، الأمل في أن يخوض العالم الإسلامي نقاشاً واسعاً يؤدي به إلى فتح أبواب الاجتهاد وتجفيف منابع العنف من تراثنا ، كي نحقق الشعار الأساسي لديننا الذي اشتق إسمه من القيمة التي تختزل كل شيء : السلام .

أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

المصدر :http://wp.me/p6l3Qc-VQ