لمن له نية مقاطعة الانتخابات.. هل يعرف لماذا هو مقاطع؟

حميد هيمةآخر تحديث : السبت 24 سبتمبر 2016 - 12:56 صباحًا
لمن له نية مقاطعة الانتخابات.. هل يعرف لماذا هو مقاطع؟
غير معروف
د. احمد الفرحان

رأي: د. احمد الفرحان:

يجرى استخدام الكثير من العبارات التي تعبِّر عن مواقف سياسيّة معيّنة دون الوقوف عند دلالاتها العميقة، ومن بينها عبارة: “مقاطعة الانتخابات”. ونحن سنقف عندها لإعادة النّظر في انعكاساتها على تشكيل الوعي والسلوك السياسي لدى المواطن المغربي.

ارتبطت عبارة “مقاطعة الانتخابات” تاريخيّاً في المغرب بالأحزاب اليسارية التي قبلت باللعبة الديمقراطية في ممارسة السلطة وإدارة الشأن العام. وهو موقف سيّاسي يعبِّر عن عدم الرِّضى على القوانين التي تسهر على تنظيم انتخابات حرّة ونزيهة تمثِّل الإرادة العامّة تمثيلا شفّافاً ومسؤولاً. وخصوصاً أنّ هذه القوانين تضعها الحكومة بناء على صلاحياتها القانونيّة في السّهر على السّير العام للانتخابات. ويكون عدم الرِّضى نابعاً عن الامتيازات التي تمنحها القوانين للسلطة التنفيذيّة في متابعة التدابير الإجرائيّة للعمليّة الانتخابيّة، ويمكن اختزال كل صلاحيّات السلطة التّنفيذيّة في امتداد الصلاحيات الواسعة السيادية لوزارة الدّاخلية في كلِّ دواليب الإدارة المغربيّة.

وتعدّ الحكومة، في هذا السيّاق، حكومة غير ذات مشروعية سياسيّة ومطعون في مصداقيتها الديمقراطية.

وبهذا، كانت تعدّ “مقاطعة الانتخابات” شكلاً نضاليّاً لتصويب قواعد اللعبة الديمقراطية والالتزام بها في ظلِّ مشروع نضالي طويل النّفس أي استراتيجي يضع الأسس الدّستورية والمبادئ العملية القانونيّة في ممارسة الديمقراطية التّمثيليّة، التي تقوم على التّداول السِّلميللسّلطة وربط المسؤوليّة بالمحاسبة، والحكم بالرّقابة العموميّة في إطار نظام سياسي ملكي-برلماني.و

لا ينبغي أن يتم إعطاء انطباع لدى المواطنين بأنّ المقاطعة اختيار مبدئيّ في الممارسة الديمقراطية أو في استراتيجية النضال الديمقراطي، بل هي اختيار نضالي أوجبته هذه الاستراتيجية التي تبنتها الأحزاب اليسارية المعارضة للأنظمة الملكية المطلقة في العمل الديمقراطي،وذلك للانتقال بالأنظمة الملكية من ممارسة السلطة المطلقة إلى ممارسة السلطة المقيّدة بالمشروعيّة الشّعبيّة أو بالتّمثيليّة البرلمانيّة. وبما أنّ مرحلة الانتقال الديمقراطي هي مرحلة مخاض وصراع واحتراب سياسي قوي تتطارح فيه المصالح وتتنازع فيه السلط فإنّها تظلّ مرتبطة بالضمانات الحقوقيّة والقانونية الدّوليّة في احترام المؤسّسة الملكيّة لحقوق الإنسان وتمكين الأحزاب الديمقراطية من تأطير المواطنين بصورة عادلة لا تنحاز فيها لطرف على آخر…وتشارك في تجديد مشروعيّة الإجماع الوطني حولها من خلال التعاقد السياسي والدّستوري مع القوى الديمقراطية.

ما يمكن استنتاجه هو أنّ موقف “مقاطعة الانتخابات” الذي مارسته الأحزاب السياسية الديمقراطية اليسارية التي تبنّت استراتيجية النضال الديمقراطي ليس موقفاً سيّاسيّاً من طبيعة النِّظام السيّاسي الملكي، بل موقفاً نضاليّاً في الممارسة السيّاسيّة الديمقراطيّة يحثّ النظام السيّاسي الملكي على احترام تعهّداته في إرساء ثوابت الدولة الديمقراطية الحديثة، التي ليست في الأخير إلاّ عبارة عن: ملكية-برلمانية،…

ولكن عندما يتم اتخاذ موقف “مقاطعة الانتخابات” من طرف قوى وأحزاب سيّاسيّة دون أن تكون واضحة في مواقفها السّيّاسيّة من طبيعة النِّظام السياسي القائم فإنّها تعمل على تغليط الرّأي العام. لأنّه ينبغي التمييز بين “مقاطعة الانتخابات” و”مقاطعة النظام السياسي”.

لا تتبنّى غالبيّة المواطنين موقف “مقاطعة الانتخابات” بوصفه موقفا سيّاسيّاً من النِّظام الملكي، عندما يمتنعون عن التصويت يوم الاقتراع، بل يتخذونه موقفاً احتجاجيّاً غاضباً استنكاريّاً منممارسات الأحزاب في تدبير الحملات الانتخابية وفي تحمّل مسؤوليّة تدبير الشّأن العام، من شراء للذمم والأصوات ومن عدم وفائها بتنفيذ برامجها والالتزام بها عند ممارسة السلطة، وهو احتجاج سلبي لأنّه يسلب حقّاً من حقوقهم كمواطنين في ممارسة مواطنتهم الكاملة من خلال المشاركة في الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

أمّا أن تكون الأغلبيّة المقاطعة تمتلك وعياً سيّاسيّاً بضرورة مقاطعة النِّظام السيّاسي طلباً لنظام سياسي بديل في صورة جمهوريّة أو خلافة أو غيره، فهذا ما يبدو مستبعداً من خلال الشواهد التي أتثبت ذلك وعلى رأسها الانقلابات والاحتجاجات الشعبيّة السيّاسيّة الكبرى منذ الاستقلال إلى الآن، وآخرها حركة 20 فبراير التي لم تجد التفافاً شعبيّاً كبيراً يوازي نسبة عدم المصوِّتين في الانتخابات أو كما كان يدعوه البعض “حزب المقاطعة” بوصفه أكبر حزب في المغرب.

للأسف “حزب المقاطعة” هو تعبير سياسي من طرف المواطنين عن عدم الرِّضى على أداء الأحزاب لا على أداء النِّظام السياسي.

فهل حقّاً تظلّ “مقاطعة الانتخابات” في ظلِّ هذه المعادلة السياسيّة الشّعبيّة موقفاً نضاليّاً يخدم البناء الديمقراطي للدولة أم يخدم استفراد النظا. م السياسي بالدّولة؟

2016-09-24
أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

حميد هيمة