في الحاجة إلى “فيدراليّة اليسار الديمقراطي”

حميد هيمةآخر تحديث : الثلاثاء 27 سبتمبر 2016 - 12:20 صباحًا
في الحاجة إلى “فيدراليّة اليسار الديمقراطي”
غير معروف
أحمد فرحان

رأي: د. أحمد فرحان:

من مكر الانتخابات في النظام الديمقراطي أن تبدو كل برامج الأحزاب السياسية المتنافسة متشابهة ومستهلكة، ويبدو وجه التشابه ناتجاً عن المبادئ الفلسفية الكبرى التي تقف خلف مزاوجة الممارسة السياسية الديمقراطية التمثيلية بين الليبرالية السياسية والرعاية الاجتماعية. وتبدو مستهلكة لأنّ المطالب الإنسانية والحقوقية للحياة الكريمة هي مطالب جوهرية تبقى ثابتة مهما تغيّرت الأنظمة والدّول، كالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة والمساواة وغيرها. ولكن لا يمكن للبرنامج الحزبي أن يصبح برنامجاً تثقيفيّاً أو تعليميّاً أو بحثاً أكاديميّاً صرفاً ليميِّز بين مفهوم العدالة الاجتماعية في المغرب قبل خمسين سنة ومفهومها الآن، وقِس على ذلك باقي القيم الإنسانية والحقوقية الأخرى. بل يصير المطلب الحقوقي مطلباً سياسيّاً متى ارتبط برهانات العصر وبالتّحدِّيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والبيئيّة للمجتمعات. إنّ راهنيّة المطلب تتحدّد بحاجات المواطن/ة الرّاهنة، وحاجات المجتمع الآجلة. هل يعني هذا أنّ برامج الأحزاب لا جدوى منها في بناء القناعات السياسيّة حول استحقاق الانتخاب والتّصويت؟ أبدا، بل ينبغي أن تُقرأ البرامج في ضوء الاختيارات السياسية والإيديولوجية الكبرى للحزب، لأنّ ترجمة هذا البرنامج إلى الواقع يتوقّف على فلسفة الحزب السياسية والمحدِّدات النّظرية التي توجِّه وتضبط قراراته وممارساته، فالعدالة الاجتماعية في ضوء الاختيار السياسي والاقتصادي النيوليبرالي الذي يُخلي الدّولة من كلِّ مسؤوليّاتها في حماية ورعاية القطاعات الاجتماعية العموميّة كالتعليم والصحة والتشغيل والاستهلاك العمومي، وتحرير الأسواق… وهو الاختيار الذي نهجته حكومة العدالة والتنمية مثلا، ليس هو نفسه في ظلِّ الاختيار السياسي الليبرالي-الاجتماعي الذي يحفظ حقّ تدخّل الدّولة في حماية القطاعات الاجتماعية وتحرير الأسواق اقتصادياً بناء على قيم اجتماعية تحفظ كرامة المواطن، وهو الاختيار الذي مارسته حكومة اليوسفي وحكومة عباس الفاسي مثلا، وليس هو نفسه الاختيار السياسي اليساري الديمقراطي-الاجتماعي الذي يرى أنّ العدالة الاجتماعية هي تحرير المواطن ثقافيّاً وحقوقيّاً من رقابة الدّولة الإيديولوجية وتحرير المواطن من المرض والجهل والفقر بتمكين الدّولة من مراقبة القطاعات الاقتصادية والتدخّل في حمايتها من التنافس المتوحِّش والإفلاس النّاتج عن التّدبير الفاسد لإداراتها، ونهج سيّاسية تنمويّة تشاركيّة يساهم فيها القطاع الخاص إلى جانب الدّولة باعتباره واجباً وطنيّاً لحفظ التّماسك والتّضامن الاجتماعي، وليس باعتباره منّة يقدِّمها للدّولة أو المجتمع مقابل حصوله على امتيازات ضريبية أو غيرها…كما يذهب إلى وضع القضايا الإنسانيّة والحقوق الاجتماعية للمواطن/ة كالتعليم والصحة والتشغيل…على رأس الأولويّات السيّاسيّة التي تظلّ تشكِّل منظومة قيم توجِّه وتراقب وتضبط كل النّشاط الاقتصادي للدّولة، بناء على قواعد قانونيّة تحفظ مساواة جميع المواطنين أمام القانون، دون التمييز فيهم بين المواطن العادي وبين خدام الدّولة وأصحاب الامتيازات الرّيعيّة والهبات والعطايا من المال العام.

لقد تبيّن خلال فترة حكم بنكيران أنّ الاختيارات السيّاسيّة التي تتناقض مع المصالح الاجتماعية للمواطنين والتي دعاها ب”الإصلاحات” لم تكن في العلن الاختيارات الكبرى للدّولة، وقد اتّضح ذلك في الخطابات الملكيّة التي لم تُشر، بحكم صلاحيات الملك الدّستوريّة، إلى إصلاحاته باعتبارها أوراشاً كبرى جنّبت البلاد مخاطر الاختلال الاجتماعي والاقتصادي، وشكّلت صمّام أمان للاستقرار السياسي في ظلِّ تحوّلات جيوبوليتيكيّة إقليمية وعالمية. ويمكن الاستنتاج أنّ خرافة “التّحكّم” كما يحكي عنها بنكيران ليست هي المسؤولة عن اختياراته السياسيّة، بل إيمانه الدّون كيشوتي العميق بأنّه يواجه “التّحكّم” جعلته يجتهد في اتخاذ قرارات هي من طبيعة “التّحكّم” ذاته الذي اختزله في حزب أو أحزاب ليست في الأخير إلاّ طواحين هواء. وبهذا، فإنّ قرارات حزب العدالة والتنميّة السياسيّة هي “التّحكّم” ذاته لا غير. إنّ المعركة الكبرى التي أخطأ حزب العدالة والتنميّة في مواجهتها في ظلِّ عصر العولمة والفكر الأحادي، الذي ينبني على تفكيك أنظمة الدّعم الاجتماعي وتسليع البشر وخوصصة الفرد، هي حماية المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية للمواطن/ة، وتمكين المجتمع من عدالة قويّة ومتماسكة تضع حدّاً لتمادي السّلطة التّنفيذيّة، وتقييد سلطات الدّولة بتحرير المجتمع المدني من قمع الحريات العامّة.

تفيدنا التّجربة الحكوميّة لحزب العدالة والتنميّة الذي خَبِر أوّل دستور جاء عقب الحراك الشعبي 20 فبراير، والذي خصّ منصب الوزير الأوّل في الدّساتير السّابقة منصب رئيس الحكومة بصلاحيّات لا يمكن التّبخيس من قيمتها، أنّ ثمّة إمكانيّة لمقاومة التقاليد السيّاسيّة المخزنيّة التي ما تزال تجد البيئة الملائمة للحياة والاستمراريّة في دواليب الإدارة المغربيّة. هذه البيئة ليست في الأخير إلاّ مجموع القناعات والاعتقادات التي تشكّلت في عقلية الفاعل السياسي والإداري عن ضرورة الانصياع للتقاليد السيّاسيّة المخزنيّةدرءاً لمفاسد مؤامراتها الخبيثة، وبنكيران لم يكن استثناءا في هذا السياق. وهذا شيء له مايبرره إذا ما نظرنا إلى أصول الحزب الإيديولوجية-اللاّهوت السيّاسي الذي يقوم على سلطة التّقليد-ونشأته السيّاسيّة في أحضان حزب الحركة الشعبية الدّستورية الديمقراطية الذي كان يرأسه أحد “خدّام الدّولة” المرحوم الدّكتور الخطيب.

ولهذا يبدو لي من وجهة نظري، أنّ الأحزاب ذات الأصول الإيديولوجيّة التنويريّة واليساريّة، وذات نشأة سياسيّة شعبيّة ووطنيّة كفيدراليّة اليسار الديمقراطي بالمغرب “تستطيع” أن تشكِّل مناعة حقيقيّة ضدّ التّقاليد السيّاسيّة المخزنيّة، ومقاومة لكل أشكاله المُمارسة في التّسلّط الإداري البيروقراطي، وممانعة قويّة ضدّ تقييد الحريّات العامّة، وإرادة محرِّرة لثرواته وطاقاته وكفاءاته  لبناء مغرب آخر ممكن، ولهذا فإنّ تشابه البرامج بين الأحزاب لا يعني تشابه المواقف، وتقارب الشعارات: محاربة الفساد…وغيرها، لا يعني أنّ الكلّ “يستطيع” فعل ذلك، لأنّ الاستطاعة تتوقّف على طبيعة القناعات والاعتقادات.

أحمد الفرحان.

2016-09-27 2016-09-27
أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

حميد هيمة