نظرية الديمقراطية المغربية :الشكل الديمقراطي لدولة الطبقة الواحدة

آخر تحديث : الأربعاء 31 أغسطس 2016 - 1:31 مساءً

نظرية الديمقراطية المغربية :الشكل الديمقراطي لدولة الطبقة الواحدة

في النصف الثاني من السبعينات ، وقع تحول كيفي على الشكل السياسي للدولة المغربية ، اذ في هذه الفترة ، تم الانتقال من الشكل الاستبدادي الذي عرفته مرحلة حالة الاستثناء الى شكل ديمقراطي . ان الشكل الديمقراطي الجديد ، يتجلى في الحد من سلطة الحكم المطلق ، الامر الذي سمح للمجتمع المدني بالمشاركة في تسيير شؤون الدولة ، عن طريق انتخاب مؤسسة برلمانية ، مكلفة بسن القوانين التشريعية، وتحديد الميزانية العامة والمخططات الاقتصادية ، ومراقبة موظفي الدولة … الخ . ان هذا الوضع الجديد ، هو الذي سمح للحزب الشيوعي المغربي ، بتطبيع علاقته مع الدولة ، ويرفع المنع الذي تعرض له الاتحاد الاشتراكي بعد احداث مارس 1973 ، والغاء الحظر عن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، ومنح الشرعية القانونية لمنظمة مثل منظمة العمل الديمقراطي الشعبي والسماح لصحافة المعارضة بالنشاط ، والسماح بتأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (ك.د.ش) والسماح ايضا لجمعيات ثقافية متنوعة . هذه المظاهر الديمقراطية واقعية ، ولا يمكن لأي احد ، يريد تحليل الواقع بشكل علمي ، ان ينكرها . ذلك ان منطق ” إما .. وإما ” الذي سخر منه هيكل عن حق ، منذ حوالي ثلاثة قرون من الزمن ، هو منطق تجريدي لا قيمة علمية له .

ان اصحاب ذلك المنطق، يسقطون بالضرورة ضحية لهذا الخطأ النظري الكبير : الخلط بين الديمقراطية كواقع مجرد ، وبين الديمقراطية كشكل ملموس ، يتقمصه ذلك الواقع المجرد في لحظة محددة. وحين يحصل ذلك الخلط، يتم اختزال الديمقراطية كلها في شكلها المثالي الاوحد ، بحيث يصبح ذلك الشكل المثال هو معيار التمييز بين وجود الديمقراطية وانعدامها .

اقرأ أيضا...

لكن مقولة الديمقراطية ، شانها في ذلك شان كل المقولات الاخرى ، المنطقية والغير منطقية ، لا يمكن ابدا ان تسجن نفسها في شكل وحيد وواحد . فالديمقراطية تغير جلدها باستمرار. ولذلك ليس هناك الديمقراطية ، بل هناك اشكال الديمقراطية . هناك الشكل الديمقراطي ذو هذا المضمون الطبقي او ذاك ، كما ان هناك الشكل الديمقراطي البدائي ، والمتطور ، والمتكامل . والعلاقة بين تلك الاشكال الثلاثة ، هي علاقة صيرورة تاريخية ضرورية ، لا علاقة ارادة سياسية مجردة . فالقول مثلا بإمكانية الانتقال المباشر ، للنظام المغربي ، من طور الاستبداد الى طور الديمقراطية ، بدون حلقات وسطى ، كالقول بإمكانية تحويل الطفل الرضيع الى رجل كامل النضج ، بواسطة قفزة نوعية سريعة . فهذا النوع من القفزات ، ان كان موجودا فعلا في عالم السحر والاسطورة ، فلا وجود له ، لسوء الحظ او حسنه في العلم والتاريخ .

ان الشكل السياسي للدولة المغربية الحالية هو شكل ديمقراطي ، هذا واقع موضوعي قائم . لكن اية ديمقراطية نقصد ؟ تلك هي المسالة . هناك فعلا الحد من سلطة الحكم المطلق لكن في نفس الوقت فان ذلك الحد ، نسبي جدا . هناك برلمان ، لكن صلاحياته محدودة جدا . هناك حرية الصحافة ، لكن ايضا الرقابة عليها وحجزها . هناك حرية التنظيم الحزبي والنقابي ، لكن ايضا عدم الترخيص بتنظيم التظاهرات السياسية ، وقمع الاضرابات النقابية . هناك حرية التعبير ، لكن ايضا الاعتقال بسبب الراي والموقف. وهذا الاعتقال السياسي قد يصل الى حد ، دفن ضحاياه الابرياء طيلة حياتهم في الكهوف الباردة ، بل والى القتل والجنون . ان دولة هذه طبيعتها المزدوجة ، تقر الديمقراطية وتلغيها ، تقبل المعارضة وتحد من نشاطها ، تسطر القانون وتخرقه .. هي دولة ليست لكل المجتمع المدني ، ولكن للطبقة السائدة فيه فقط ، وبالتالي ان شكلها الديمقراطي ، هو شكل دولة الطبقة الواحدة ، لا شكل كل طبقات المجتمع . ان الشكل الديمقراطي لدولة الطبقة الواحدة ، كان وراءه تاريخ ، ولذلك وبالضرورة سيكون امامه ايضا تاريخ ، لقد ظهر كنتيجة لسبب سابق ، واصبح هو نفسه سببا لنتيجة قادمة . لقد تحول الشكل الاستبدادي لدولة الطبقة الواحدة ، وسيتحول بالضرورة هذا الاخير بدوره ، الى شكل ديمقراطي جديد : دولة طبقات المجتمع المدني . هذا حكم التناقضات الموضوعية التي تحرك المجتمع . وليس هناك على وجه الاطلاق ، اية قوة بشرية ، مهما بلغ سلطانها وجبروتها ، اقوى من حركة تلك التناقضات الموضوعية .

وهنا نصل الى بيت القصيد : ماهي التناقضات الموضوعية التي جعلت الانتقال من الشكل الاستبدادي السابق ، الى الشكل الديمقراطي الحالي ضروريا ، وماهي التناقضات التي تجعل الانتقال من الشكل الديمقراطي الحالي ، الى الشكل الديمقراطي الارقى ضروريا ايضا ؟

قلنا في الفقرة السابقة ، بان نشوء الاستبداد في المرحلة الماضية ، ناجم عن وضع كان بحاجة الى مثل هذا الاستبداد ، وحللنا ذلك على الشكل التالي ، في بداية صمودها الاجتماعي ، كانت الطبقة البورجوازية التبعية ، ضعيفة .، اذ من جهة ، كان المجتمع الماقبل مدني يطوق مجتمعها المدني الناشئ، لان في تلك الظروف ، كانت لاتزال الملكية الاقطاعية العتيقة ، والملكية الصغيرة للفلاحين المستقلين ، قويتين .( لنذكر بالمناسبة حركة المعارضة التي قادها الاقطاع ، والتي كان ابرزها عصيان عدي اوبيهي في الجنوب) . ومن جهة اخرى ، كانت مهددة بالمنافسة القوية من طرف ممثلي الطبقة الوسطى، الذين كانوا يطرحون مشروعا راديكاليا للتطوير الرأسمالي ، مناقضا لمشروعها الاصلاحي . واذن في تلك الشروط الموضوعية الملموسة ، لم يكن هناك امام الطبقة البورجوازية الصاعدة ، من خيار سياسي لفرض هيمنتها وتحييد خصومها ، سوى خيار الدولة المركزية القسرية الاستبدادية . اما في المرحلة اللاحقة ، فقد انقلب الوضع راسا على عقب بعد تحول المجتمع الى نقيضه . اذ من جهة ، تم استكمال اعادة الهيكلة للملكية الاقطاعية على اسس رأسمالية ، ومن جهة ثانية ، تم عزل وتحييد ممثلي المشروع الراديكالي .

واذن في تلك الشروط الموضوعية الملموسة الجديدة ، ظهر تناقض جديد : بين وضع اجتماعي جديد ، وبين استمرار الشكل الاستبدادي للدولة الذي عكس الوضع القديم ، السائد ابان الصعود الطبقي فكان لابد لهذا التناقض ان يحل ، وحله يقتضي احداث تطابق بين الوضع الاجتماعي الجديد ، وبين شكل الدولة السياسي الملائم ، وهذا الشكل كان هو الشكل الديمقراطي لدولة الطبقة الواحدة .

لكن احداث التطابق المذكور، وتصحيح العلاقة بين وضع اجتماعي متقدم وشكل سياسي متخلف عن مسايرة حركته ، ليس بالشيء الالي ولا بالأمر الهين . فالبرجوازية المغربية التي تعودت ، في المرحلة الاولى ، المهيمنة بواسطة الشكل الاستبدادي للدولة ، لم يكن سهلا عليها ، بحكم قوة العادة تلك ، تجاوز الشكل الاستبدادي والانفتاح على شكل ديمقراطي جديد ، ورغم ان الديمقراطية المقترحة هي ديمقراطيتها الخاصة .

لذلك كان لابد من هزة عنيفة ، ترغمها على مواجهة مواقفها ، وقد جاءت تلك الهزة في شكل محاولتي الانقلاب في مطلع السبعينات .

بعد الهزة اصيبت البورجوازية بأزمة سياسية عميقة ، ولم يكن من الممكن تجاوزها ، بدون التقرب من المعارضة الوطنية ، لكن التقرب له شروطه ، ومن ضمن المطالب الاساسية التي كانت تطرحها بإلحاح المعارضة الوطنية ، مطلبي الديمقراطية واسترجاع الاقاليم الصحراوية المغربية .

هكذا ستلجئ الديمقراطية ، التي عملت على رفع التناقض بين وضع اجتماعي متحرك وشكل سياسي جامد ، وهكذا سيتم تحرير الصحراء المغربية ، التي كانت عزيزة على قلب المرحوم علال الفاسي منذ القدم ، وظلت عزيزة حتى اخر لحظات حياته .

لكن الصحراء التي كانت في البداية ، مجرد نقطة برنامجية ازاء نقطة اخرى هي الديمقراطية ، سرعان ما تحولت بفعل تعقد واحتدام الصراع ضد خصوم الوحدة الترابية ، الى سند قوي للديمقراطية ، اذ لكي تظهر الصحراء امام الراي العام الدولي ، على انها قضية شعب بأكمله وليس فقط قضية نظام ، كان لابد من توفير شرط ديمقراطي للدفاع عنها

عبد السلام المؤذن

جريدة انوال 1988

أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

المصدر :http://wp.me/p6l3Qc-1la