نظرية الديمقراطية المغربية : الشكل الاستبدادي لدولة الطبقة الواحدة

آخر تحديث : الأربعاء 31 أغسطس 2016 - 1:28 مساءً

نظرية الديمقراطية المغربية : الشكل الاستبدادي لدولة الطبقة الواحدة

ان المجتمع المغربي الحديث العهد بالاستقلال أي الخارج للتو من احشاء الاستعمار الكولونيالي لم يكن في شموليته مجتمعا مدنيا ، بل كان منقسما على نفسه الى مجتمعين : مجتمع مدني .. و مجتمع ما قبل مدني .. أي مجتمع طبقي بورجوازي حديث ، ومجتمع ما قبل طبقي بورجوازي قديم .

ان نزوع المجتمع المدني الحديث هو التطور ، لكن تطوره مستحيل ، بدون تقهقر وتراجع المجتمع ما قبل المدني القديم ، فالأول لا يمكن ان يتطور الا على حساب الثاني . وهذا شيء طبيعي تماما . فالمجتمع المدني بوصفه حاملا ، لنمط انتاج وعلاقات انتاج وقيم ، من طراز جديد ، فهو بالتالي لا يخلق كل ذلك من العدم .

اقرأ أيضا...

بل يعمل فقط على تحويل القديم الى الجديد ، ولذلك فان المجتمع الماقبل المدني ، الذي هو بمثابة النفي والتجاوز للأول . فالعمال المأجورون مثلا ، الذين هم عماد المجتمع المدني الجديد ، لم يخلقهم هذا الأخير من بطنه . بل هم نفس الفلاحين الذين كانوا عماد المجتمع الماقبل مدني القديم ، أي ان كل ما حصل ، هو تحول العمل من شكله الماقبل رأسمالي العتيق ، الى الشكل الرأسمالي الحديث .

كذلك فان الملكية البورجوازية ، في اصلها ، هي مجرد انتقال شكل قديم للملكية الى شكل جديد .

واذن .. لان المجتمع المدني المغربي ، لا يمكنه ان يعيش ويتطور ، الا على حساب تقهقر وفناء المجتمع الماقبل مدني المغربي ، فلذلك فان العلاقة بينهما هي علاقة صراع وجود . اما بعض الاقتصاديين الاوربيين والمغاربة على السواء ، الذين طالما روجوا للأطروحة القائلة ، باستقلالية وتعايش الزراعة العصرية الرأسمالية مع الزراعة التقليدية ، فهذا محض خرافة ايديولوجية لا علاقة لها بالعلم .

ان المجتمع المدني المغربي ، الخارج من احشاء العهد الكولونيالي ، والمرتكز على الانتاج البضائعي والرأسمالي ، لم يكن مطروحا امامه في تلك الشروط سوى طريقا واحدا : طريق التطور الرأسمالي .

لكن هذا الطريق الواحد ، كان يحمل موضوعيا شكلين متعارضين لنمط الانتاج الرأسمالي : شكل راديكالي وشكل اصلاحي .

ان الشكل الراديكالي كان يعني ، تفكيك الملكية الاقطاعية ، والاستيلاء الفوري على اراضي المعمرين الاوربيين ، ثم توزيع الملكية العقارية على جماهير الفلاحين ، في افق تجميعهم في تعاونيات عن طريق الاقناع والتجربة .

هذا الشكل الرأسمالي الراديكالي ، كان سنده الطبقي هو الطبقة الوسطى المغربية ، المتحالفة مع الطبقة العاملة .اما الشكل الرأسمالي الاصلاحي ، فكان يعني من جهة الحفاظ على الملكية العقارية الكبرى ، مع اعادة هيكلتها على اسس رأسمالية . ومن جهة اخرى تفويت اراضي المعمرين الاوربيين الى الملاكين العقاريين الكبار المغاربة. وهذا الشكل الاصلاحي ، كان سنده الطبقي هو الملاكون العقاريون الكبار ، المتحالفون مع البورجوازية المغربية الكبرى . بالطبع كان لكل شكل من الشكلين المتعارضين ، مواقفه المتعارضة ايضا ، اتجاه الرأسمال الامبريالي العالمي ( والفرنسي خاصة ) ، لكن هذا لا يعني ابدا ، كما دأبت العديد من الاوساط في صفوف الحركة التقدمية المغربية على القول ، بان الشكل الراديكالي كان يستهدف القضاء على التبعية ، فهذا خطأ ، وبكل بساطة لم يكن موضوعيا في مقدوره تحقيق ذلك الهدف. لان جوهر التبعية بالنسبة للبلدان المتخلفة ، يكمن في حد ذاته ، في البنية التحتية الرأسمالية الموروثة عن المرحلة الكولونيالية ، وفي امتدادها السياسي الذي هو جهاز الدولة ، الموروث ايضا عن العهد الاستعماري.

من هنا لم يكن التعارض بين جوهرين ، جوهر رأسمالي ، بل بين شكلين لجوهر واحد هو الجوهر الرأسمالي الموروث ، فبينما كان الشكل الاصلاحي ، يريد تطوير الرأسمالية المغربية على قاعدة التبعية، كان الشكل الراديكالي يسعى الى تطويرها ، على قاعدة الحد من التبعية الى الحدود القصوى الممكن ان يتحملها نظام رأسمالي كنظام رأسمالي في بلد متخلف .

وفي تلك الشروط التاريخية المتولدة عن الاستقلال .. شروط غياب الطبقة العاملة المغربية ، المنظمة والمستقلة ايديولوجيا وسياسيا ، كان اقصى ما يمكن ان يطرحه المجتمع المغربي موضوعيا ، هو المشروع الرأسمالي الراديكالي ، من هنا ثوريته التاريخية .

هي المرحلة التاريخية التي اعقبت مباشرة استقلال المغرب ، كانت الطبقتان الرئيسيتان الممثلتان للشكلين الرأسماليين المتعارضين ، وهما الطبقة الوسطى ممثلة الشكل الراديكالي ، والملاكون العقاريون ممثلو الشكل الاصلاحي … كانتا تتمتعان بتوازن طبقي ، كنتيجة لنضالهما المشترك ضمن الحركة الوطنية المعادية للوجود الكولونيالي .

ان هذا التوازن الطبقي قد انعكس سياسيا على جهاز الدولة في شكل توازن سياسي. لذلك يمكن القول : في هذه المرحلة ، كانت الدولة السياسية محايدة بين الطرفين . وهذا ما يفسر واقع الحريات السياسية والنقابية التي كانت تتمتع بها الجماهير ، وجرأة اقطاب الحركة التقدمية على توجيه النقد اللاذع للنظام ، وتمكن القوى التقدمية من تشكيل حكومة خاصة بها ذات برنامج اقتصادي جريء .

لكن الدولة السياسية المحايدة ، هي بالطبيعة ، دولة انتقالية غير قارة . فالتعارض بين الشكل الراديكالي للمشروع الرأسمالي ، والشكل الاصلاحي ، هو تعارض عميق يقوم على تناقض عدائي .

اذ يستحيل تطبيق المشروع الراديكالي ، بدون تفكيك وتدمير الملكية الاقطاعية ، وبين الاستيلاء الفوري على اراضي المعمرين الاجانب ، وبدون توزيع الاراضي المنتزعة من الاقطاع المغربي والرأسمال الفرنسي على جماهير الفلاحين المتعطشين للأرض . كما يستحيل تطبيق المشروع الاصلاحي ، بدون الحفاظ على الملكية الاقطاعية واعادة هيكلتها على اسس رأسمالية ، وبدون تفويت الجزء الاعظم من اراضي المعمرين الاجانب الى الملاكين العقاريين الكبار المغاربة ، وبدون بالتالي حرمان جماهير الفلاحين من الارض . ان هذا الصراع الطبقي الدائر فوق الارض وحول الارض ، لا يمكنه الا ان ينعكس سياسيا فوق جهاز الدولة ، الذي يتحتم عليه الخروج من حياده ، للانحياز بشكل صريح الى احد الطرفين المتصارعين . لقد كان ذلك الصراع في حاجة الى حسم ، اما في هذا الاتجاه او ذاك ، ولقد تم حسمه لصالح الملاكين العقاريين الكبار ، والبورجوازية الكبرى ، ومن ورائهما الرأسمال العالمي والفرنسي خاصة . لقد قيل الكثير عن اسباب هزيمة المشروع الراديكالي ، هناك من تحدث عن الغموض الايديولوجي لدى الطرف المتقدم ضمن الحركة الوطنية ، وهناك من تحدث عن السهولة التي تم بها حل جيش التحرير المغربي ، وهناك من تحدث عن الشرخ العميق الذي احدثه الانشقاق في حزب الاستقلال ، وهناك من تحدث عن مناورات ومؤامرات الاستعمار . ان كل هذه التفسيرات صحيحة ، لكنها تبقى مجرد تفسيرات سطحية ، لأنها هي نفسها في حاجة الى تفسير ، ولأنها لم تنفذ الى جوهر المسالة الحاسم . وهذا الجوهر لم يكن شيئا اخر غير جماهير الفلاحين انفسهم ، اصحاب المصلحة الاولى والمباشرة في نجاح المشروع الراديكالي . اذ في تلك المرحلة التاريخية الدقيقة ، ، في غمرة الحماس الشعبي العارم الذي هز جوارح الوطن المستقل ، وفي مناخ سياسي جماهيري اربك القوى المحافظة واطلق مبادرات الشعب من عقالها الكابت .. في هذه الشروط المؤاتية اذن ، ظل الصراع الطبقي في البادية المغربية خافتا . لم نشاهد حركة فلاحية جماهيرية ، تبادر بالاستيلاء على اراضي المعمرين الاوربيين ن رغم ان تلك الاراضي في الاصل اراضيها ، اغتصبها منها المستعمر بقوة الحديد والنار . ولم نشاهد الفلاحين يبادرون بالاستيلاء على اراضي الاقطاع ، رغم انهم عانوا اشد انواع القهر والاستغلال ، على يد رموز الاقطاع المغربي المتحالف مع الاستعمار الكولونيالي . ان عدم تدخل البادية المغربية ، بكل ثقلها وعمقها ، في الصراع الدائر حينئذ بين الخيارين المتناقضين المطروحين ، كان اذن بمثابة المقتل الذي اصاب في الصميم الخيار الراديكالي . اما اسباب ذلك فتتكثف في سببين رئيسين : سبب حديث العهد له صلة بالمرحلة الكولونيالية ، وسبب قديم يعود الى قرون خلت . بالنسبة للأول : ان تدمير علاقات الانتاج القديمة ، وهو الشرط الضروري لحصول المستعمر على ضيعات رأسمالية ، ادى الى تفكيك النظام الجماعي القديم ، مما اضعف قدرة الفلاحين على التحرك بشكل منظم وجماعي .

وبالنسبة للثاني : ان العلاقات البطريركية الابوية ، التي نسجها الاقطاع المغربي منذ قرون مع الفلاحين، ساهمت الى حد كبير في تخلفهم الثقافي وفي تبليدهم السياسي. مهما يمكن ان يقال مثلا عن الجهاز الاداري ، لا يمكن انكار هذه الحقيقة : في اول دستور للمغرب المستقل ، الذي تم الاستفتاء عليه شعبيا ، في وقت كان الصراع لايزال محتدما بين الخيارين المتعارضين ، كانت قدرة الفلاحين العقاريين في التأطير الايديولوجي والسياسي للفلاحين ، واضحة في النتائج التي اسفر عليها ذلك الاستفتاء .ان جيش التحرير المغربي الذي كان وحده في تلك المرحلة ، مؤهلا الى تثقيف الفلاحين ورفع وعيهم وتجذير مبادئهم السياسية ، كان هو نفسه يعاني من القصور السياسي ، بسبب الظروف التاريخية التي لم تسمح له بالنمو والتطور ، وبالتالي اكتساب الخبرة السياسية والنظرية من خلال تراكم الخبرة الكفاحية . ان الصراع بين الطريق الراديكالي والطريق الاصلاحي ، لبناء الرأسمالية في المغرب ، قد تم حسمه من حيث الجوهر لصالح الاتجاه الثاني منذ السنوات الخمس الاولى التي اعقبت الاستقلال ، أي عمليا منذ حل حكومة عبد الله ابراهيم ، وهي الفترة التي توافق تشكل القوات العسكرية والبوليسية للدولة المغربية الجديدة ، وحل تنظيمات المقاومة وجيش التحرير .

اما كون الوضع السياسي ظل يحتفظ ببعض مظاهر الانفتاح ، مثل البرلمان ، الى حدود منتصف الستينات ، فذلك لم يكن يعبر ابدا عن توازن سياسي – طبقي ( بين الاتجاهين المتناقضين ) للمرحلة القائمة ، بل عن رواسب توازن تنتمي لمرحلة سابقة . وفي الحقيقة ، ان الملاكين العقاريين الكبار ، بعد ان حسموا الصراع السياسي لصالحهم ، لم يكن بوسعهم التقدم نحو انجاز برنامجهم الاقتصادي – الاجتماعي ، بشكل سريع وكامل ، الا بعد تشطيب جيوب مقاومة خصومهم المعرقلة لاندفاعهم . وفي تلك الظروف بالذات ، كان البرلمان يمثل احد الجيوب الرئيسية للمقاومة. اذ كان التحالف بين حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، المستفيد من التناقضات التي تلغم جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية ، قد تمكن في بعض المناسبات من كسب بعض اصوات الجبهة ، وبالتالي حرمان الحكومة من الاغلبية اللازمة لتمرير سياستها .

ان طبيعة تلك المرحلة التاريخية ، كانت تحتم موضوعيا على ممثلي النهج الرأسمالي الاصلاحي ، التحكم في الوضع بقبضة من حديد ، لفرض توجههم الطبقي ، ولقد كان البرلمان ومظاهر الانفتاح الاخرى ، يشكلان تناقضا مباشرا مع الحاجة الى ذلك التحكم ، لذلك وجب تشطيبهما ، وسيتم تشطيبهما في اول فرصة مواتية .

في 23 مارس 1965 ، ستنفجر في الدار البيضاء مظاهرات التلاميذ والجماهير العاطلة عن العمل . وبكل برودة، سينزل الجنرال اوفقير الى الشارع ، بدباباته ومصفحاته ، ليشرع في سحق وحصد الاطفال والشباب بدون رحمة ولا شفقة . وبعد ذلك سيتم الاعلان الرسمي ، عن حل البرلمان ووقف العمل بالدستور . لقد كان الملاكون العقاريون الكبار وحلفاؤهم ، في حاجة الى قبضة من حديد ، لحفظ امنهم وتامين الغطاء الواقي لصيرورة صعودهم الطبقي . ولقد كانت الاوفقيرية هي تلك القبضة الحديدية، وبذلك تحقق الانسجام والتطابق ، بين مجتمع مدني في طور التشكل ، تقوده وتبنيه طبقة بورجوازية اصلاحية صاعدة ، على حساب تقهقر المجتمع الماقبل المدني القديم ، وكذلك على حساب تراجع المشروع الرأسمالي الراديكالي ، وبين الشكل الاستبدادي لدولة نفس الطبقة البورجوازية الصاعدة. ان الدولة الاستبدادية لم يصنعها اوفقير ، وانما صنعتها طبقة اوفقير ، ليست دولة اوفقير هي التي اشاعت الاستبداد السياسي على المجتمع المدني ، بل بالعكس ان المجتمع المدني ، في تلك المرحلة المحددة من تطوره ، هو الذي جعل الشكل الاستبدادي للدولة المغربية ضروريا . فلو لم يوجد شخص اوفقير ، لأوجد المجتمع المدني شخصا اخر يقوم بنفس دوره ، فالشكل السياسي للدولة ، ليس سوى تعبيرا وانعكاسا لمستوى تطور المجتمع المدني ، الذي هو بدوره تعبير عن مستوى تطور الطبقة السائدة فيه . لذلك اذا كانت الدولة باقية وثابتة ، فبالعكس ان اشكالها السياسية زائلة ومتغيرة .. من الشكل الاستبدادي لدولة الطبقة السائدة ، خرج نقيضه الديمقراطي لدولة نفس الطبقة ، كيف حدث هذا؟

عبد السلام المؤذن

جريدة انوال 1988

أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

المصدر :http://wp.me/p6l3Qc-1l8