رأينا : بصدد التحالفات المطروحة على اليسار

الموحدآخر تحديث : الجمعة 22 يوليو 2016 - 11:44 صباحًا
رأينا : بصدد التحالفات المطروحة على اليسار
  لقد بصم اليسار التاريخ السياسي للمغرب المعاصر، من خلال سجل حافل بالنضال و التضحيات الجسام، من أجل الديمقراطية و ضمان حياة كريمة للجماهير الشعبية. و قد لعب أدوارا طلائعية سياسيا و تقافيا في مواجهة محاولات الهيمنة و الإستفراد المخزني بالحكم، وبقي متصدرا للمشهد السياسي لعقود، بالرغم من حملات القمع الشرس و محاولات الإجثثات ..
  ولكن اليسار، الذي لا ينبغي أن يعيش على ماضيه مهما كان مشرفا، لم يعد يمتلك اليوم نفس القوة و القدرة على المبادرة. ولم يعد يحتل الواجهة الأمامية سياسيا، بعد بروز قوى اليمين بشقيه الأصولي و المخزني، والتي أصبحت تتنافس في استقطاب هذا الحزب أو ذاك من تيارات اليسار إلى ”مشروعها” و حشره في ”معاركها”. خصوصا بعد أن عانت مكوناته من تبعات التشرذم و من الإنشقاقات المتتالية ( باستتناء محاولات التجميع و الوحدة الإندماجية التي أثمرت الحزب الأشتراكي الموحد و في ما بعد فيدرالية اليسار الديمقراطي). فتراجعت شعبيته و تقلص إشعاعه الثقافي و الفكري، بفعل أسباب عديدة لا يسمح الحيز للتفصيل فيها. بعضها يعود لسقوط جدار برلين و انهيار المعسكر الإشتراكي، وبعضها الأخر يعود لأخطاء اليسار نفسه، ومنها عجزه عن الإمساك الجيد بطبيعة التحولات المجتمعية و عن تدبير حياته التنظيمية الداخلية بشكل أكثر ديمقراطية، وفشل تجربة التناوب التي انخرط فيها جزء منه دون ضمانات سياسية و دستورية تمكنه من ممارسة تدبيرية تحترم قيمه النضالية اليسارية و تستلهم برامجها منها.
  وحيث أنه ينظر عادة لليسار على أنه عائلة واحدة فإنه لم يسلم من تأثير هذه التجربة ( ما عرف بالتناوب التوافقي) حتى الجزء الآخر الذي رفضها و أعلن عن استمراره في المنازعة في بعض أو كل ثوابت الدولة المخزنية .. ومن نتائج هذه الحالة اليسارية، إنخراط بعض مكوناته في تحالفات هجينة و غير مشروعة من ناحية الوضوح السياسي و غاية تحقيق مصلحة النضال الديمقراطي و الإجتماعي ..
  وهكذا أصبح بعضه يتحالف على برنامج يميني مع أحزاب طالما نعتها بالمخزنية والإدارية، بمبرر تجنيب المغرب السكتة القلبية أو استكمال أوراش الإصلاح الكبرى !! و يسار ينخرط في تجربة حكومية يقودها حزب يميني أصولي على أساس برنامج ليبرالي متوحش بمبرر الحفاظ على الإستقرار!! .. و يسار آخر يبرر للإصطفاف إلى جانب حركة سياسية دينية تدعو إلى إحياء دولة الخلافة ذات المضمون المناقض لجوهر المشروع الديمقراطي التقدمي، تحت عناوين و شعارات ثورية و لكنها غامضة .. و هكذا أصبحت أحزاب اليمين الإداري و على رأسها حزب الدولة الرئيسي تتبنى و تقود باسم حداثة مفترى عليها مشروعا لمواجهة التيارات الإسلامية تسميه تارة حركة لكل ” الديمقراطيين ” أو الجبهة خلف الملك أو حتى الكتلة الحداثية. وتدعو اليسار للإنخراط فيه من موقع التبعية لها و التفريط في مهامه النضالية التاريخية و منها بالأساس مواجهة الهيمنة المخزنية و الإستفراد بالحكم ..
وإذا كان من صميم الحداثة أن يتصدى اليسار فكريا و سياسيا لتيارات الإسلام السياسي فإنه لا ينبغي أن يتم هذا التصدي في إطار حرب بالوكالة أو من خلال خدمة يسديها لمشروع سياسي آخر مناف بدوره للديمقراطية و للقيم اليسارية .. و بالمقابل نجح الحزب الأصولي الذي يقود الحكومة الحالية في جر أحد الأحزاب اليسارية إلى التحالف معه و ضمه إلى تشكيلتها. ولا زال يراهن على استمالة بعضها الأخر ”لتسخين أكتافه” في مواجهة خصمه اللدود أو ما يسميه بالتحكم ليتمكن من هزمه في الإنتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في أكتوبر من السنة الجارية .. كما أن بعض الدعوات للحوار او التحالف الصادرة عن جماعة اصولية معارضة وجدت لها نوعا من الصدى كذلك في بعض الأوساط اليسارية التي ترى في القوة العددية و التنظيمية للجماعة سندا لها في مشروع ثورتها على الاستبداد المخزني ..
بل و هناك من ذهب أبعد في اتجاه الدعوة الصريحة لإقامة كتلة تاريخية تضم أحزاب اليسار و الإسلاميين لمواجهة ما يسميه بالتحكم المخزني أو الدولة العميقة .. لقد سبق للمفكر محمد عابد الجابري أن نظر للحاجة إلى هذا النوع من التقارب بين تيارات المجتمع الرئيسية و تكتلها لإنجاز مهام كبرى يتعذر على كل طرف انجازها لوحده و تأجيل الخلافات الأيديولوجية إلى ما بعد تحقيق تلك المهام و على رأسها الديمقراطية و التنمية و التحرر من التبعية. وهذا يشكل في الواقع جزء أساسيا من برنامج اليسار و لا يمكن إلا تبنيه كفكرة و لكن شروط الكتلة التاريخية بهذا المعنى غير متوفرة اليوم، خصوصا بعد كل التطورات السلبية التي عرفتها بعض البلدان العربية على إثر ما اصطلح عليه بالربيع العربي. والذي ساهم في الواقع في اتساع الهوة بين الإسلاميين و العلمانيين، و تسبب في فقدان الثقة بينهما ..
و يمكن تلمس تجليات انعدام التقة في التجربة المصرية قبل و بعد عودة الجيش إلى واجهة الحكم، وفي التجربة التركية الاردواغانية خصوصا بعد فشل الإنقلاب العسكري .. كما أن التجربة المغربية نفسها بينت كيف يتم تبني برنامج ليبرالي متوحش من طرف حكومة يترأسها حزب إسلامي يتسامح مع الفساد و لا يمانع في الإمثثال لوصفات المؤسسات المالية الأكثر إجحافا في حق الشعب. و يعلن بصريح الكلمة رفضه التام للملكية البرلمانية .. أي أنه يرفض الديمقراطية في النهاية .. إضافة إلى أن الدعوات المطروحة اليوم على اليسار من أجل الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك هي في الواقع دعوات للتحالف الظرفي من أجل حسم صراعات سياسية أو انتخابية يتم توظيفه فيها و أن من يطرحها لا ينطلق من مصلحة اليسار، هذا إن لم يكن يهدف بالأساس إلى تأجيل الاستحقاق الديمقراطي أو إلى عرقلة مشروع الحداثة .
ليس معنى هذا أنه على اليسار أن ينكفئ أو ينغلق على ذاته، لأن المهام التاريخية المطروحة عليه هي حقا أكبر من أن ينجزها لوحده. ولكن عليه أن ينطلق أولا من إعادة بناء ذاته و تجسيد وحدته على أسس نقدية تمكنه من تجاوز حالة الإنحسار و الضعف، وتجنبه إعادة إنتاج أزماته و أخطائه و تعيد الإعتبار لدوره الريادي في مسار التغيير الديمقراطي .. و من ثم إعادة بناء تحالفات تستمد مشروعيتها من أهدافها الأساسية وفق رؤية استراتيجية شاملة للتحرر من التبعية و الخروج من التخلف و تهدف إلى إقرار ديمقراطية حقيقية سياسية و إجتماعية و تحقيق تنمية مستقلة و مستدامة مع و في خدمة الجماهير الشعبية ..
2016-07-22 2016-07-22
أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

الموحد