حول العمل الشرعي: هل يسمح الوضع الراهن واحتمالات تطوره بإمكانية العمل الشرعي الثوري ؟ – منظمة 23 مارس

الموحدآخر تحديث : الخميس 4 أغسطس 2016 - 8:10 مساءً
حول العمل الشرعي: هل يسمح الوضع الراهن واحتمالات تطوره بإمكانية العمل الشرعي الثوري ؟ – منظمة 23 مارس

منذ أن طرحت علينا المستجدات السياسية تحديد موقف واضح من مسألة العمل الشرعي، وبعدما تجمعت لدينا مجموعة من المؤشرات الأولية التي تنبئ بإمكانية الانتقال إلى مرحلة جديدة في عملنا الثوري… منذئد ونحن نناقش ونقلب موضوع العمل الشرعي من جميع جوانبه محاولة منا لفهم كل أبعاده وانعكاساته على تطورنا وتطور مجموع الحركة الثورية والديمقراطية ببلادنا.

لقد وضعنا على أنفسنا مجموعة من الأسئلة، كان أهمها :

1 – كيف عالجت الماركسية والأحزاب الثورية هذه المسألة ؟

2 – هل يسمح الوضع الراهن واحتمالات تطوره بإمكانية العمل الشرعي الثوري ؟ وهل يفرض علينا ذلك بعض التنازلات ؟

3 – أين نضع هذه الخطوة في شروط تطورنا الخاص، وفي مجموع عملية بناء الحزب الثوري ؟

4 – ما هي سمات ومهام فترة الانتقال ؟

وعلى هذه الأسئلة التي طرحناها، ويطرحها العديد من الرفاق سنحاول أن ندلي بوجهة نظرنا بصورة مركزة وشاملة كلما أمكن.
2 – هل يسمح الوضع الراهن واحتمالات تطوره بإمكانية العمل الشرعي الثوري ؟
وهل يفرض علينا ذلك بعض التنازلات ؟
يتميز تحليلنا للوضع الراهن بما يلي :
تخوض الجماهير الشعبية صراعا مزدوجا مترابطا ومتمايزا في آن واحد : من جهة، صراع من أجل تدعيم الصمود الوطني وتثبيت مكتسباتنا في الوحدة الترابية، وفي هذا الصراع تلتقي مصالح الجماهير الشعبية مع مصالح قوى اجتماعية أخرى تمثلها الدولة. وتستفيد الجماهير من هذا الوضع بالضغط على الدولة لاستخدام كل إمكانياتها الدبلوماسية والعسكرية والمالية لصالح معركتها الوطنية ولتحميل الطبقة السائدة قسطها من الأعباء والتضحيات “والتنازلات” التي تفرضها شروط المواجهة الوطنية… ومن جهة ثانية، صراع ضد الطبقة السائدة ودولتها بهدف الثورة الاجتماعية والديمقراطية السياسية. وهذا يفرض في شروط نسبية القوى الراهنة النضال في سبيل مجموعة من الإصلاحات الديمقراطية السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي من شأنها أن تنمي الحركة الجماهيرية وتستنهضها لمرحلة نضالية ثورية أعلى. ولقد وضعنا في مقدمة هذه النضالات مطلب انتخاب مؤسسات تمثيلية حقيقية، أي مبنية على حريات سياسية واسعة. واعتبرنا هذا المطلب بمثابة الحلقة المركزية الوسطى للارتقاء بمستوى الوعي الديمقراطي الثوري لدى الحركة الجماهيرية، ولتوسيع مجال تحركها ولتقوية أدوات نضالها واستعداداتها لما هو أعلى من المطالب والشعارات الثورية الأخرى.
هذه باختصار وجهة نظرنا في سمة المرحلة الراهنة. إنها بأحد المعاني مرحلة إصلاحية ديمقراطية. والذي فرض طبيعتها تلك هو هذا التراكب ”الاستثنائي“ بين القضية الوطنية وبين القضية الاجتماعية والديمقراطية في شروط موازين قوى مختلة خارجيا لصالح الأطروحة الانفصالية، وداخليا لصالح الطبقة البرجوازية السائدة.
إلى أي مدى ستدوم هذه المرحلة ؟
طبعا، ليس من الصحيح، وليس بالامكان، تحديد فترة زمنية ما. فتفاعل هذه التناقضات وتأثيرها في قوة وسعة الحركة الجماهيرية وفي مبادراتها الثورية هو الذي يحدد لنا في نهاية التحليل إما تبدل الوضع وإما استمراره ولكن مع ذلك، فإننا نرجح أن التطور سيكون بطيئا. ومن هذه الوجهة نفترق عن الوضع الروسي الذي تحدثنا عنه عند لينين، والذي كانت فيه ديناميكية الصراع الطبقي شديدة التوتر، وكان الدور الطليعي للطبقة العاملة بارزا إلى حد بعيد، والذي أنضجته أيضا مجموعة من الظروف المساعدة الأخرى كالحرب العالمية، وصراع القوميات المضطهدة… الخ. قلنا نرجح التطور البطيء لسببين : أولا، أن وضع القضية الوطنية لا ينبئ بإمكانية حل سريع لها. وثانيا، وهذا هو الأهم، للضعف الشديد في ارتباط القوى الثورية والديمقراطية بالحركة الجماهيرية وللتأخر البارز في الوعي السياسي لدى قطاعات جماهيرية واسعة جدا، وبالدرجة الأولى في البادية. ورغم هذا الترجيح فإننا لا نضع سورا صينيا فاصلا بين برنامجنا التكتيكي وبرنامجنا الاستراتيجي، فالمسألة كلها متوقفة على قدرة الحركة الجماهيرية وعلى قدرة القوى الديمقراطية وسطها.
وإذا كان من الصحيح أن القضية الوطنية قد أعطت قاعدة مادية أكثر صلابة للانفراج السياسي الراهن وأنه بالتالي سيتوقف بشكل ما وإلى حد ما على الحدة والفترة التي ستحتلها القضية الوطنية، فإنه من الصحيح أيضا أن تاريخ الصراع السياسي بالمغرب قد شهد دائما هامشا من الليبرالية، ينمو ويضيق على حسب موازين القوى بين الطبقات المتصارعة. ولقد فسرت منظمتنا ذلك بسببين : أولهما وأساسهما أن القوى الديمقراطية استمدت استمراريتها وشرعيتها من نضالها الوطني ضد الاستعمار التقليدي. وثانيهما أن خصوصية النظام الملكي في الهرم الاجتماعي تجعله بحاجة إلى نوع من ”التوازن السياسي“ مع الحركة الوطنية. واليوم وأكثر من أي وقت مضى هو بحاجة إلى هذا التوازن بعد الذي حصل في الانقلابين. ونعتقد أن هذا التوجه سيظل ثابتا في سياسة السلطة، بل وسيشكل سمتها الأساسية في هذه المرحلة. ذلك أن التجربة قد أكدت أن ”الفراغ السياسي“ الذي يحدثه الكبت الكامل للحريات الديمقراطية يترك الباب مفتوحا على مصراعيه لدور الجيش في بلد يعاني من أشد أثقال مظاهر التطور المحجوز.
هاتان السمتان : حركة وطنية لها مكانتها الجماهيرية والتاريخية، ونظام ملكي له خصوصيته في التطور السياسي والطبقي لبلدنا، هما ما يفسر أيضا وجود هذا الهامش الليبرالي الذي تمتع به المغرب طوال حياته السياسية الحديثة وما يبرر بالأحرى إمكانية استمرار هذا الهامش في المستقبل.
وما يشجعنا على هذا الاستخلاص هو النهوض الديمقراطي العام على الصعيد العالمي والذي فرض على الأطراف الإمبريالية نفسها -محاولة منها لاستباق الأزمة الثورية- أن تتلاءم وتتكيف مع هذا الواقع. إن المرحلة النضالية المقبلة هي بكل تأكيد مرحلة إنعثاق الشعوب المضطهدة من ألوان الديكتاتوريات المطلقة. فإذا كانت مرحلة ما بعد الحرب هي مرحلة الاستقلالات السياسية، فإن المرحلة التي نعيشها هي مرحلة انتصار الديمقراطية بهذا الشكل أو ذاك على الأشكال المطلقة للاضطهاد السياسي.
لكل هذه العوامل، فإننا نعتقد باستمرار الهامش الليبرالي، بل وإمكانية توسعه لكن كيف يمكن أن يشملنا نحن هذا التوسع الليبرالي ؟ وبعبارة أخرى هل يمكن لنا نحن أيضا أن نتمتع بحقنا في المشروعية القانونية في ظل الشروط الراهنة ؟
لقد كان تصورنا لهذا الموضوع قريبا من التجربة اللينينية أو من عدة تجارب ثورية أخرى. وهو أن شرعيتنا ستأتي عبر مد جماهيري ثوري دون حاجة على الإطلاق للشرعية القانونية كما هي مطروحة علينا اليوم. إلا أن الحياة وحاجات النضال الثوري قد أعطت طريقا آخر، وإمكانية أخرى. ليست نتيجة لمد جماهيري سابق، ولا لميزان قوي لدينا ساحق، ولكن لعدة شروط في المعادلة السياسية العامة، والتي بإمكاننا، بل ويجب أن نستفيد منها لكي تأخذ مكاننا بجانب القوى الديمقراطية الأخرى.
ومهما كانت نوايا الحكم في حالة قبوله بشرعيتنا، ومهما كانت أهدافه ومناوراته فإن العامل الحاسم في نظرنا سيبقى في كل الأحوال هو الصمود السياسي الذي برهنا عليه والتضحيات الجسيمة التي قدمناها كتيار والتي بدونها ما كان يمكن حتى الحديث عن وجودنا فبالأحرى إمكانية شرعيتنا. ونؤكد على هذه الحقيقة، أو على هذه الطريقة في التحليل، لا لنغالي في قوتنا، ولا لنغفل عن أهداف الحكم ومصالحه في حالة قبول شرعيتنا ولكن لكي لا نستخف بصمودنا ونضالاتنا، ولكي نمتلك رؤية كفاحية للتطور. فالمبدأ الأول والأخير في الصراع الطبقي هو أن الطبقات الحاكمة لا تقدم شيئا بالمجان، لا توزع الهبات والمنح، ولكنها تتعامل مع تناقضات موجودة وواقعية، والحال، فإن اليسار رغم تناقضاته، قد أثبت وجوده. وأثبت للحكم بأن أسلوب القمع لا يمكن أن ينهي بتاتا الشروط السياسية التي تحدثنا عنها يمكن تميز ووضع إمكانية انتزاع حقنا في المشروعية.
بعد هذا التحديد، نرى أن الهامش الليبرالي المجود في الساحة يتسع لوجودنا الشرعي بل ويفرض النضال من أجل هذا الوجود.
يتسع لوجودنا ما دمنا نناضل في إطار خط ديمقراطي عام ”يحترم المقدسات“ كما ينص عليها القانون. وفي تقديرنا أن هذا المجال في التحرك من الوجهة المبدئية واسع جدا. ونعني بالوجهة المبدئية الحق القانوني في التعبير عن وجهة نظرنا والدفاع عنها ولكن ليس بالضرورة وفي نقطة ما من التطور الحق العملي في ترجمة وجهة نظرنا في كفاحات جماهيرية ملموسة. وهذه هي المعركة الأساسية في ميدان الشرعية مع الطبقة السائدة ومثليها. ولكي يكون قصدنا واضحا سنأخذ المثال من الواقع نفسه : فالتنظيمات الديمقراطية لها الحق في عقد مؤتمراتها ونشر برنامجها، وإصدار صحفها، والقيام بالدعاية لأفكارها الإيديولوجية، وعقد تجمعاتها الداخلية والجماهيرية وترشيح ممثليها، والقيام بدعايتها الانتخابية، والعمل في النقابان الموجودة أو تأسيس نقاباتها الخاصة، والقيام باضرابات نقابية أو احتجاجية… الخ إلا أن هذا تتخلله إجراءات تعسفية دائمة هنا وهناك ومضايقات من شتى الأنواع، بل وحركة قمع واسعة وخطيرة عندما يلمس النظام بأن الحركة الجماهيرية الفعلية قد تتجاوز الحدود التي يستطيع التعامل معها من موقع قوة كما حصل في اضرابات الكنفدرالية.. إلا أن هذه الإجراءات، والخروقات، والمضايقات وحملات القمع الصغيرة والكبيرة لا يمكن لها أن تخفي عنا إطلاقا الفائدة الكبرى التي جنتها وتجنيها القوى الديمقراطية في نضالها الشرعي هذا، ولا يمكن لها أن تحجب عنا التقدم الذي حصلت عليه في ظل الشرعية في ارتباطها بالحركة الجماهيرية، وهي لا تبرر بأي شكل من الأشكال الامتناع عن العمل الشرعي، بل العكس هو الصحيح، إن العمل الشرعي هو السلاح الذي سمح لهذه القوى بتطوير الصراع ولو في هذه المجابهات نفسها، وأن تنمي لدى الجماهير روح المقاومة والصمود والوعي الديمقراطي الحازم. إذن هناك مجال واسع للتحرك الديمقراطي من حيث المبدأ، لكن هناك مضايقات على مجالات تطبيقه العملية تبلغ نقطة الحدة والانفجار عندما يصل هذا التحرك الديمقراطي غلى مستوى فعال في الحركة الجماهيرية.
وإذا قارنا بين هذا التحرك الديمقراطي الدعائي والعملي الذي يسمح به الهامش الليبرالي، خاصة بعد التطور الذي حصل فيه خلال هذه المدة، وبين وضعنا الذاتي الذي لا يؤهلنا اليوم ولا في الغد القريب لمجابهات جماهيرية قوية، ولو في المستوى الذي وصل إليه الاتحاد الاشتراكي، لأدركنا مدى الضرورة، ومدى الاستفادة الهائلة التي سنستفيدها نحن من العمل الشرعي. ولهذا قلنا أن الهامش الحالي لا يتسع فقط لوجودنا الشرعي، بل هو يفرض علينا النضال من أجل هذا الوجود.
فهل سنقدم في ذلك تنازلا ما ؟
لو أن الوضع السياسي يعطينا إمكانيات ثورية أخرى غير النضال الديمقراطي العام من أجل مؤسسات تمثيلية حقيقية، لا يستحق موقفنا نعته بالانتهازية والتخلي عن المبادئ. والحال، فإن تقديرنا للمرحلة ولتناقضاتها، وللحركة الجماهيرية وقدراتها، وللقوى الديمقراطية وإمكانياتها، يثبت صواب توجهنا الديمقراطي هذا كحلقة وصل ضرورية نحو مرحلة نضالية – ثورية أعلى. إن واقعنا من هذا الجانب يشبه إلى حد ما واقع التجربة الشيوعية الفيتنامية في أواخر الثلاثينيات. لقد جمد الفيتناميون مطلبا استراتيجيا مبدئيا هو مطلب الاستقلال عن الاستعمار. واندفعوا للنضال الشرعي الديمقراطي الواسع داخل الهياكل الاستعمارية مما هيأهم للإنغراس وسط أوسع الجماهير وقيادة نضالاتها الثورية في المرحلة اللاحقة. فهل يجوز لنا أن ننعت الشيوعيين الفيتناميين في تلك المرحلة بالشيوعيين الإصلاحيين الاستعماريين ! أليس هذا تجنيا على الحقيقة والواقع ؟!
إن المضمون الثوري لمطالبنا الإصلاحية المرحلية يستمد من هدفنا الاستراتيجي الذي هو إنجاز الثورة الديمقراطية الوطنية وبناء المجتمع الاشتراكي. لكن من أجل أن نعطي لهذا المضمون قوة مادية حقيقية، ومن أجل أن يكون الربط بين التكتيك والاستراتيجية ربطا ماديا وليس لفظيا، في الواقع الجماهيري وليس في الأدمغة والأدبيات، فهناك لا محالة ضرورة لتجميد بعض الشعارات المركزية مقابل شعارات مركزية أخرى.
إن الخبرة الثورية لنا ولغيرنا من الشعوب تعلمنا أن الجماهير تدرك أهمية السلطة في تحركها الاجتماعي والسياسي عبر مسالك نضالية عملية أخرى غير المسالك التي يعي بها المثقف هذه الحقيقة. فإذا كان المثقف يصل إلى هذا الوعي عبر محاكمة عقلية نظرية، فإن الجماهير تصل إلى نفس النتيجة عبر محاكمة نضالية عملية ديمقراطية في جلها تتحول في نقطة ما إلى ممارسة ثورية شاملة. إن الحدود الفاصلة بين المطالب التكتيكية والمطالب الاستراتيجية عندما تستمد من الواقع النضالي الحي هي حدود مؤقتة نسبية، متحركة. ولكنها بنفس النظرة الواقعية حدود ضرورة وحاسمة في العمل الثوري. قال الفيتناميون عن تجربتهم الإصلاحية، لولاها لما كانت مراحل النضال الثوري الأخرى، لما كانت بالأحرى بقيادتهم، ونقول نحن وراءهم، بدون خوض غمار هذه المعركة المماثلة سوف تتأخر وتتغير ثورتنا الديمقراطية الوطنية، ولكن بالتأكيد لن نكون نحن في صفوفها الأمامية فبالأحرى في قيادتها. ولهذا نعتبر أن البرنامج السياسي الذي سطرته منظمتنا في مؤتمرها صالح كقاعدة عامة لتحركنا السياسي في نطاق العمل الشرعي نفسه. ومن المعروف أن ميزة هذا البرنامج في تاريخ منظمتنا أنه ملأ الفراغ المزمن في الممارسة اليسراوية بين الأهداف والشعارات الاستراتيجية والوضع المرحلي الملموس. وأنه أعاد بالتالي الاعتبار لأهمية النضال الديمقراطي ليس فقط من الوجهة المبدئية، ولكن بالدرجة الأولى عبر تحليل لتناقضات الوضع ولخبرة حركة الصراع الطبقي في المراحل السابقة. لقد أبرز مؤتمرنا في استنتاجاته السياسية الأهمية الراهنة والحاسمة للنضال الديمقراطية. ولذلك قلنا ونعيد مرة أخرى، إن الوضع الراهن لا يتسع لوجودنا الشرعي فحسب، بل هو سيتوجه كهدف نضالي مكمل في تركيب عضوي واحد لخلاصات مؤتمرنا ولبرنامجه.

2016-08-04 2016-08-04
أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

الموحد