عبد الرحمان زكري .. حكاية مناضل يساري

آخر تحديث : الخميس 4 أغسطس 2016 - 9:30 مساءً

عبد الرحمان زكري .. حكاية مناضل يساري
هو ابن تربة زيان، أقصد ابن مدينة خنيفرة، عاصمة قبائل زيان الواقعة بين جبال الأطلس المتوسط؛ خنيفرة المقاومة والجهاد ضد الاحتلال الأجنبي وأذنابه. اشتهرت المنطقة بمعركة الهري التي تزعمها البطل موحا أوحمو الزياني ضد الاستعمار الفرنسي سنة 1914. بهذه الحاضرة، حاضرة أمازيغ بامتياز، ترعرع عبد الرحمان زكري وشب ودرس. وبعد أن صلب عوده وبات من الضروري أن يبارحها إلى خارجها طلباً للمزيد من العلم والمعرفة، وتأكيداً لمسار وسم الكثير من مجايليه، رحل صوب فاس.
وبجامعة سيدي محمد بن عبد الله، منتصف السبعينات، سيحط رحاله. لم يقطن بالحي الجامعي بظهر المهراز. اختار ساحة الأطلس، وبإحدى مبانيها الحافة سكن رفقة طلبة، لعل غالبيتهم من بلدته. ولعل شقة السكن هاته توورث كراؤها من طرف أبناء خنيفرة فوجاً عن فوج.
تعرفت عليه قبل أن أتعرف إليه. من بعيد كنت أشاهده، يحمل نظارتيه فوق أرنبة الأنف على الدوام، نحيف الجِرم، حسن السمت، وبمشية سريعة يجتاز بها ساحات الجامعة صوب ساحة الأطلس ذهاباً وإياباً. وبعد حين، سأعلم من رفاقي بحزب التقدم والاشتراكية، أن هذا الطالب إنما هو من خنيفرة. عرفته كذلك لأن العديد ممن كان يرافقه هو ابن خنيفرة. لم أعرف وقتها أنه منتسب إلى حركة 23 مارس. لم يكن يشف عن خبر. كانت الحركة تشتغل في “السرية”. عقب ارتباطي بالحركة فقط، سأحدس، بداية، أننا نتقاسم الانتماء نفسه. ثم ما برحت أن تأكدت من هذا الانتماء المشترك إثر تبادل لحديث أو إشارة. لاحقاً، سأتعرف إليه بوصفه أحد المشرفين التنظيميين الحزبيين بالجامعة. الشاب هذا يكشف عن سمات الرجل الحكيم. هو حكيم خصال وحكيم توجه دراسي. كان طالب فلسفة. ثم طالب علم الاجتماع. بحث تخرجه حول “المغربة” كان بحثاً فارزاً. ثمة مكتبة في غرفته، بحي الأطلس، تظهر أن الولد متورط في “الماركسية”. دار ابن خلدون، دار الحقيقة، دار الفارابي، دار الطليعة، دار ابن رشد، دار دمشق.. دور، وقتها، لا تخلو منها خزانات “الماركسيون”. ولربما كان هذا مدخل كاف بالنسبة للبوليس السياسي، زمنها، في الكشف عن “أعدائهم”… قل كيف هي خزانتك، أقول لك من تكون.. بالجامعة كان يحضر جل تظاهرات الكليات، ويشارك في نضالات الطلبة. بيد أنه لم يكن مسموحاً له بتعريض نفسه للبروز العلني، ففي ذلك إمكانية لألحاق الضرر بالتنظيم. للسي عبد الرحمان تاريخ نضال. أفراد من أسرته مهدوا السبيل.
لعل اسم زكري سبق إلى مسمعي قبل أن أتعرف إلى سي عبد الرحمان. وأنا تلميذ بمدينة مكناس تابعت نضال تلاميذ ثانوية طارق بمدينة آزرو؛ وهي الثانوية التي شهدت، بداية السبعينات، انطلاق نشرة سرية موسومة ب” صوت الكادح”، إن لم تخني ذاكرتي. وأذكر أن اسم زكري (وأحسبه شقيق عبد الرحمان!) ورد في أحاديثنا ضمن لائحة التلاميذ و”العمال” الذين تعرضوا للاعتقال والتنكيل من قبل البوليس. وعندما تعرفت على سي عبد الرحمان اسم زكري مدينة آزرو، يومها في التو، إلى ذهني. أسوق هذه الواقعة البعيدة، والتي ترسبت في قاع دماغي، من غير أن أجزم بها كل الجزم. لكنني، بالمقابل، أكاد أفصل من أن النضالية ليست بجديدة على عزيزنا عبد الرحمان. لعل أول عمل حزبي مباشر نخوضه معاً هو سهرنا على طبع نسخ من مسودة ترتبط بموقف للمنظمة من مجريات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. كان ذلك قبل انعقاد المؤتمر 16 للمنظمة الطلابية. زمنها كنت أمضي صحبته كلما جن الليل إلى ضواحي ظهر المهراز بداور شعبي يفتقد حاجات أساسية لنقضي الليلة في طبع النسخ إياها بواسطة آلة النسخ “الفيتنامية” (!). لم أكن على بينة من البيت الذي كنا نلجه. لم أكن أعرف ربه. ولجته مع سي عبد الرحمان، لكن دخلته أيضاً مع رفيقين آخرين. في وقت لاحق سأعرف رب البيت، وسأكنه حقيقة تضحياته في سبيل مبادئ آمن بها، وظل وفياً لها إلى أن فجعنا في فقدانه وهو في عز عطائه. إنه عزيزنا الفقيد الكاتب المرموق عبد السلام الحيمر.
تقاسمت كذلك مع العزيز عبد الرحمان زكري أعمالاً أخرى وذكريات من المرحلة الطلابية، ومنها الإشراف على أعداد من المجلة الحائطية “النضال الديموقراطي”، إلى جانب العزيزين حميد بها وحسان بورقية.
مهمات عبد الرحمان داخل لجنة الإشراف الحزبية الداخلية فرضت عليه أخذ الحيطة، عملاً بموجبات العمل التنظيمي السري. لذا، فلم يكن يعرف عنه العديد من المناضلين سوى ما أبداه من مشاركات في التظاهرات والمظاهرات الطلابية. ساهم في إنجاح حضور مناضلي منظمة 23 مارس في مكاتب تعاضدية كلية الآداب، وشارك بقوة في تواجد تيار “الطلبة الديموقراطيون” بفاس في المؤتمر 16 للمنظمة الطلابية.
أواخر السبعينات سيغادر فاس نحو الرباط بقصد استكمال تكوينه الفلسفي بكلية علوم التربية، ومنها سيلتحق للعمل بمدينة المحمدية. أول زيارة حقيقية لي إلى مدينة الزهور كانت يوم حللت بها بحثاً عن صديقي عبد الرحمان زكري. بالكاد اهتديت إلى منزله في طابق أول لمبنى بحي “العالية”. ثم توالت زياراتي إليه كلما كنت في مهمة إلى الدار البيضاء.
زمنها، بدايات ثمانينات القرن الفائت، كانت مدينة المحمدية صغيرة وجميلة. ومدينة زهور، كانت تنعت بجدارة. كانت تذكرني، في العديد من مناحيها، بمدينتي القنيطرة. أشجار خضراء، وفيلات، ومساحات رحبة. قبل زيارتي لبيته كنت أمضي أوقاتاً أطوف في شوارعها وأزقتها. وعندما نلتقي يكون لنا موعد ثان وثالث مع خرجات ناجحة إلى مقاهي المدينة بالحي الأوروبي وجوار المرسى أو الشاطئ. عايشت معه شروط تأسيس فرع لمنظمة العمل الديموقراطي الشعبي بالمحمدية. وعايشت معه أجواء فتح أول مقر للمنظمة بها. ومنذ انطلاق عمل المنظمة بهذه المدينة الشعبية تحمل سي عبد الرحمان زكري مسؤولية الكتابة الأولى باللجنة المحلية للمنظمة، وكان محل تقدير المناضلين الذين محضوه ثقتهم، ومحل اعتبار من طرف باقي قوى اليسار بالمدينة. استطاعت المنظمة منذ الثمانينات من نحت مكانة متميزة داخل المحمدية. مقارها، بشارع فلسطين، وبغيره، شهدت أنشطة وتظاهرات نضالية متميزة. مناضلوها كسبوا مواقع بالجمعيات والنقابات، وفي مقدمتها الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، وظلوا حاضرين في جميع المحطات النضالية التي خيضت بالمدينة نقابية كانت أم سياسية. وفي كل ذلك كان للمناضل سي عبد الرحمان زكري بصمته الوازنة على مسار العمل السياسي الديموقراطي بالمدينة.
تواترت زياراتي له على امتداد عقد الثمانينات، ولا سيما بعدما ألحقت متفرغاً بمركز الدار البيضاء للمنظمة بشارع لالة ياقوت. أياماً أمضيتها رفقته. كان بيته دافئاً يسع زياراتي بإذن أو من دونه. كنا نجعل من كل لقاء لنا موعداً لتبادل الحديث والأفكار والتجارب، ولحظات استمتاع بالطرائف والنوادر التي تحصل لنا أو نتسامعها. ثم تثبتت هذه الزيارات عقب حلول العزيز حسن العدناني وزوجته بالمحمدية. كانت لنا خرجات جماعية من أجمل الخرجات. وعبرها كنا نأخذ لنا نفساً بأزقة المحمدية وساحاتها حتى نواصل “مسيرة ألف ميل”. حقاً، هي ساعات لا تنسى يا صديقي، عشناها جميعنا ملؤها المودة والمحبة والرفقة الحسنة. وتلك أيام لن تمحى من ذاكرتي. عشنا الفرح في ما كنا نتقاسمه ونأتيه من أعمال، وعشنا الألم في ما كان يحزننا من أحوال وحوادث. ومن ذلك المصير المأساوي الذي انتهى إليه رفيقنا المناضل الوردي.
لم يكن سي عبد الرحمان يجيد العمل التنظيمي الحزبي فحسب، بل حذق كذلك كرجل تعليم، كان له الفضل الكبير في تربية أفواج من شباب المدينة، الذين تلقنوا، على يديه، دروساً في الفلسفة والحكمة بما يفيد في تفسير الوقائع والظواهر والعمل على تغيير المصائر. عنه أخذوا منهجية الفهم والتحليل. وعنه كسبوا مهارات الجد والمثابرة. عرفت سي عبد الرحمان رجل تعليم ، لكنني عرفته أيضاً رجل ثقافة وكتابة. ثمة منا من يتذكر ترجمات له لأمهات النصوص في الماركسية نشرت على أعمدة جريدة “أنوال”. وأحسب أنه لولا إكراهات مسؤولياته الحزبية والتربوية لكان في رصيده أكثر من عمل مترجم. يجيد الكتابة باللغة العربية مثلما يجيد الكتابة باللغة الفرنسية. لعل الكثير منا يتذكر الترجمة التي قام بها سي عبد الرحمان لجملة نصوص في تاريخ اليسار الجذري المغربي (1965-1979) للأستاذ المصطفى بوعزيز، والتي صدرت في كتيب عن “دار الخطابي” بالدار البيضاء. شخصياً، كنت أنتظر من سي عبد الرحمان المزيد من الترجمات.
واكب السي عبد الرحمان كل محطات المنظمة مشاركاً ومنفذاً؛ محطات سعت إلى تعزيز “خط النضال الديموقراطي الراديكالي” الذي رفعته المنظمة شعاراً لها، منذ أواسط سبعينات القرن الفائت، كتعيين لأفقها السياسي والاستراتيجي. ولم يألوا الرجل جهداً في سبيل نصرة قضايا الوطن والديموقراطية. وما يزال، إلى يومنا هذا، يقوم بواجبه داخل أسرة اليسار الديموقراطي مثلما أملاه عليه ضميره، مقتنعاً بأن لا تساهل مع مستبيحي كرامة الوطن والمواطن.
السي عبد الرحمان زكري، المناضل الشهم، والأستاذ الألمعي، له من الشمائل ما يجعله صاحب حظوة في أوساط المناضلين، وصاحب مقام عند من قاربه وصادقه وصاحبه. رجل أريحي وسخي، ومحب للحياة، وشغوف بالجمال والخلق والثقافة. هذه الصفات هي التي جعلته أهلاً للإقبال عليه في كل مسؤولية تنظيمية ومهمة نضالية.
ولأنه كذلك، فقد جرى انتخابه في قيادة منظمة العمل الديموقراطي الشعبي محلياً ووطنياً، كما هيأته هذه الخصال الحميدة لتولي مهام تسيير وتدبير شتى بالمدينة وخارجها، كما هو شأنه الساعة ب”مركز محمد بن سعيد آيت إيدر للأبحاث والدراسات”.
لكل ما سبق، ولغيره مما لم تسعفني ذاكرتي فأتذكره، أعانقك صديقي وعزيزي عبد الرحمان، متمنياً لك ولأهلك دوام الصحة والتوفيق. وعسى أن نلتقي، فنحاور أصداء مما آلف بيننا وجمع وهو كثير كما تعلم. محبتي.
محمد الهجابي، في فبراير 2013
أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

المصدر :http://wp.me/p6l3Qc-1iu