القيم في الخطاب الإعلامي وأثرها على السياق المدرسي

الاشتراكيآخر تحديث : الثلاثاء 24 نوفمبر 2015 - 11:39 صباحًا
القيم في الخطاب الإعلامي وأثرها على السياق المدرسي
ذ - محمد أحدو

خص الأستاذ محمد أحدو (الصورة)، باحث في قضايا التربية والتعليم، موقع PSU بنص هذه المقالة المعتبرة، التي تتناول، بالتحليل العميق، موضوع شائك وضاغط على المجتمع: القيم في الخطاب الإعلامي وأثرها على السياق المدرسي.

المقال المنشور، في هذه الصفحة، مقتطف من الكتاب التربوي الذي يُنتظر أن يصدره ذ. محمد احدو في القادم من الأيام. عن إدارة الموقع.

يعتبر الإعلام من أقوى المؤسسات التي أنتجتها السياقات التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية، فهو مؤسسة تضطلع بمهام الاتصال بين المرسل (الإعلامي)، والمستقبل أي الجمهور عن طريق وسيلة إعلامية تنقل بواسطتها الرسالة الإعلامية من طرف لآخر، بل إنها من المؤسسات التي تقوم بإنتاج وإعادة إنتاج المعنى في تفاعلها مع المؤسسات الأخرى. فقد أصبح الإعلام فاعلا وشريكا ومنافسا في التأطير الثقافي والفكري داخل المجتمع، عبر توسيع دائرة الخيارات ومصادر تلقي المعرفة. وبناء التصورات الفكرية والقيمية، هذه التعددية في مصادر إنتاج القيم والتي يلعب الإعلام دورا محفزا في تكريسها، لها انعكاس على منظومة القيم العامة، ومنها القيم المدرسية.

ويظل الإعلام اليوم أحد الروافد الأساسية لنقل القيم، وتأثيره يتجاوز كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية بفعل الأثر الذي تحدثه الصورة التليفزيونية على وجدان وسلوكيات المتعلمين، في غياب ثقافة مؤسسية للتعاطي مع الصورة، والتربية البصرية، وهو ما يشكل عبئا إضافيا أو تحديا حقيقيا، بغياب مرجعية قيمية متوافق عليها، وبفعل الانفتاح والتطور السريعين لمنظومة الاتصال والتواصل عبر الأنترنيت، التي أضحت اليوم أكثر جاذبية وتأثيرا مما خلف معه عولمة القيم، وتشابها وتوحدا في ردود الأفعال السلوكية للأفراد والجماعات، بحيث غابت معه كل أشكال الحدود والحواجز القيمية الخصوصية للدول والمجتمعات خاصة الأقل نموا.

فمما لا شك فيه أن للأعلام دور كبير على الأفراد وعلى سلوكياتهم وأفكارهم ونمط عيشهم، واختياراتهم الذوقية الفنية والجمالية واتجاهاتهم الفكرية. ويعد الإعلام من مؤسسات التنشئة الاجتماعية الكبرى التي أصبحت تمارس تأثيرا حقيقيا على الأفراد خاصة مع الطفرات الكبرى التي يعرفها الإعلام المعاصر، فتأثير الصورة على المتعلمين بتزايد،باستعمال التكنولوجيا الحديثة التي غزت كافة مناحي حياة الإنسان اليوم، والتي أصبحت تستهلك معظم وقته.

فالعلاقة بين المنظومة الإعلامية، ومنظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية علاقة متفاعلة ومتداخلة، على اعتبار أن وسائل الإعلام في أي مجتمع هي الوسيلة الناقلة لأنماط التفكير والمعرفة والقيم والإفهام وبالتالي فهي تسهم في خلق جانب كبير من الثقافة الاجتماعية وطريقة حياة أي شعب أو مجموعة سكانية معينة.

من هذا المنظور، فإننا نرى أن هناك علاقة ترابطية بين أنماط القيم على اختلاف أنواعها ومؤسسات التنشئة الاجتماعية ومنها وسائل الإعلام. وأنه كلما كانت تلك المؤسسات قادرة أو مهيأة أو تسير في الاتجاه المرسوم لها من أجل نقل القيم الأصيلة من جيل إلى آخر وتنمية قيم تتماشى ومتطلبات العصر، إلا وكانت الأجيال الصاعدة مشبعة بهذه القيم؛ أما إذا كانت تلك المؤسسات غير قادرة أو غير مهيأة أو منسحبة من الساحة وتاركة المجال أمام مصادر تنشئة أخرى كوسائل الإعلام الخارجية ، أو أمام التنشئة التلقائية والمجانية، إن صح التعبير، أي كل السلوكيات التي تظهر في القطاعات غير الخاضعة للضبط الاجتماعي أو التي تفلت من مراقبة القانون لسبب أو لآخر. إلا وكانت هذه الأجيال حاملة لأنماط ذهنية وسلوكية تتناقض والقيم السائدة.

هذا فإن التغليط الأكبر الذي أحدثه الإنسان المعاصر، هو جعله لوسائل الإعلام وسائل رهيبة في يده يحكم بواسطتها سيطرته على الآخرين باستيلابهم، بدل أن تكون مجرد وسائل تساعد على تحقيق التواصل في مجاله الإنساني الحر، حيث تحولت من أدوات ووسائل بسيطة مساعدة لرقيه، أصبحت بقوة حضورها وثقلها المادي والمعنوي عن طريقها يتحدد الفرد والإنسان المعاصر ككل. إن وسائل الإعلام او لنقل بشكل أعم التقنية أصبحت عنصرا أساسيا يتحدد بها الوجود البشري.[1]

وللإعلام اليوم تأثيرا خاص على قيم الأفراد وسلوكياتهم، بل يعد أحد الموجهين الرئيسيين لها، وهو ما دفع إلى تزايد الاهتمام به،لما يحدثه من تأثير على القيم العامة للأفراد والمجتمع. فالتحولات التي عرفتها المجتمعات المعاصرة على مستوى أنظمة التواصل والاتصال تعتبر من نتائج العولمة وآثارها، مما فرض عولمة السلوك، وتعميم نموذج منه على باقي الأنظمة الاجتماعية والثقافية الأخرى. فالعولمة فرضت على المجتمعات الأخرى عبر الصورة المنقولة تعميما لثقافة وقيم المجتمع المهمين على تقنيات التواصل الحديثة خاصة الغربي منه، حيث أصبح يشكل نموذج النماذج الذي على المجتمعات الأخرى أن تقتدي به وتسير على نهجه، خاصة على المستوى القيمي فيما يتعلق بالسلوك والتصرف والفعل، الذوق والميولات المختلفة، فنجم عن ذلك تمثلات قيمية لدى الأفراد متعارضة في الكثير من الأحايين مع الخصوصيات المحلية على مستويات مختلفة من الأذواق الفنية والجمالية ، والزي والنمط الغذائي الذي تحول تدريجيا من الأسلوب الجماعي التقليدي، الى النمط الفردي، عبر تزايد الإقبال على الجاهز والسريع من الأطعمة المتوافقة مع طبيعة الأسرة النووية، والمستجيبة لظروف العمل وانشغالات أفراد الأسرة وأعبائها الخارجية. هذا الوضع وغيره أنتج وضعا قيميا جماعيا وكونيا لم تحققه المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها، الذي تميز بالتغاير والتنوع بدل الميل نحو التوحد والاستجابة والتشابه في الكثير من ردود الأفعال السلوكية إزاء المتغيرات التي جاءت بها التقنية الحديثة، كما هو حاصل اليوم تحديدا، مع انتشار الصورة وتأثيرها على مستوى الخطاب الإعلامي المرئي خصوصا والمتمثل في التلفزيون، وأنظمة التواصل من شبكات الأنترنيت والمواقع الاجتماعية المختلفة.

إن طفرة أنظمة الاتصال والتواصل في نهاية القرن الماضي أعادت تشكيل العالم من خلال انهيار حدود الزمان والمكان، وذلك بفضل تكنولوجيا المعلومات المتسارعة في نموها، والتي تجر البشرية إلى مغامرة غير مسبوقة عبر التاريخ، وغير محدودة الأفق.  ولهذا تبرز الضرورة لمراجعة منظورنا ونماذجنا الفكرية على هذا الصعيد، خصوصا فيما يتعلق بتنشئة الأجيال الصاعدة، ونوع الزاد الثقافي والقيمي اللازم لإعدادها للمستقبل.

ولئن كان اليوم من الضروري أن نتحدث عن دورما للمدرسة على مستوى التربية على القيم لدى المتعلمين، فعلينا أن نستحضر أثر الإعلام عموما والتلفزيون وأنظمة التواصل، كشبكات التواصل الاجتماعي والأنترنيت، خصوصا عند المتعلمين وسلوكياتهم، المتوافقة أو المتعارضة مع القيم التي تتوخى المدرسة تحقيقها. ويمكننا أن نعتبر أن تزايد الاهتمام بتأثير الإعلام ومنظومة التواصل الحديثة من الأنترنيت وغيره على سلوكيات الأفراد والمتعلمين منهم على وجه الخصوص يعود إلى الاعتبارات التالية :

  • تطور وثيرة التحولات التكنولوجية التي تجاوزت بكثير ما تعرضه المؤسسة المدرسية على مستوى المعارف والمضامين، التي جعلت المدرسة بنظمها الكلاسيكية متجاوزة وبعيدة التأثير على الأفراد المتعلمين.
  • تزايد المسافة بين المدرسة والمتعلم، حيت لم يعد العرض التربوي بشكله القديم على مستوى التقديم الخالي من حضور الصورة والموغل في الشفوي، حيث يشعر المتعلم بالتباعد بينه وبين المدرسة.
  • دخول أنماط سلوكية وقيمية إلى محيط المدرسة من الآثار المباشرة لهذا التأثيرالإعلامي الذي أثقل كاهل المدرسة، وزاد من صعوبة مهامها على هذا الصعيد، مما خلق عملية تصادم أحيانا بين ما يراه المتعلم كمكسب قيمي يعبر عن تطلعاته ويميز شخصه، وبين حاجيات المؤسسة المدرسية وقيمها القائمة على الضبط والاحتواء.
  • كما تزايد الاهتمام بالقيم الفردية لدى الأفراد والمتعلمين منهم، مع اتساع دائرة الحق ومساحته،بانتشار الثقافة الحقوقية،عبر احترام الاختيارات الفردية السلوكية والذوقية والقيمية بشكل عام، وهي من تداعيات الشعور بالحرية والمسؤولية الفردية التي يقوم عليها الخطاب الإعلامي في مضمونه، المعتمد على مبدأ المسؤولية القيمية الذاتية للأفراد كحق مكتسب. حيث يتعارض هذا المسعى مع التوجهات المدرسية غالبا، والتي تؤمن بالقيم الجماعية واحترام الضوابط التي تقوم عليها المؤسسة، والتي تعبر عنها قوانينها الداخلية القائمة على معايير جماعية تعتبر المدرسة نفسها حارسة لها.

 

  • إن علاقة المدرسة بالإعلام، هي في الأصل علاقة بين نمطين قيميين مختلفين، نمط قيمي مثقل بروح المؤسسة (المدرسة)، ونمط قيمي متحرر من سلطة المؤسسة كما يدعي ذلك، إلا من خط تحريري يحمل توجها معينا(الإعلام)، له خلفياته وقناعاته المختلفة. تمايز أيضا بين أسلوبين، أسلوب تركيزه على بناء الفكر والمعارف في اتساق مع السلوك( المدرسة) ، وأسلوب تركيزه على الجانب الحسي والوجداني في النقل ورواج المعنى والتأثير الحسي ( الإعلام ).
  • حصول اتساع في مستويات المعلومة ورواجها، بشكل يتجاوز أحيانا الإيقاعات المدرسية. وما رافق ذلك من انفتاح مبكر لدى المتعلمين على محيطهم بشكل لا تحققه المدرسة الا بعد تحصيل دراسي واستهلاك لزمن التعلم. وهو ما قد يستدعي إعادة النظر في إيقاعات التعلم وزمن التحصيل لدى المتعلمين ان لزم. علما ان سيادة المعرفة عبر شبكات التواصل أدت الى نوع من تراجع مستوى الوعي والثقافة، وقلت فرص البحث والتنقيب في مقابل سيادة ورواج المعلومة والخبر الذي توفره التكنولوجيا الحديثة للاتصال والتواصل ووسائل الإعلام، حيث أصبح منسوب المعلومة لدى المتعلم في المراحل الإعدادية والثانوية مرتفعا قياسا مع ما كان من قبل،ويبقى هذا الامر كافتراض إلى ان تؤكده الأبحاث الميدانية في هذا الجانب، الأمر الذي يساءل المدرسة اليوم حول ما ينبغي أن تقوم به لمواكبة هاته التغيرات السريعةمعرفيا وقيميا.

تأثير وسائل الإعلام على منظومة القيم

تحتل وسائل الإعلام كما أشرنا من قبل مرتبة هامة في المجتمع، وتخترق جميع مجالات الحياة اليومية بمختلف أنواعها، وتستحوذ على جزء كبير من أوقات فراغ الناس. وعلى الرغم من أن الأمر يختلف من مجتمع لآخر ويتباين هذا التأثير فيما بين الأفراد، لكن على العموم يقضي الناس عددا معتبرا من الساعات أسبوعيا في مشاهدة التلفزيون. منهم من يجد الوقت لاستعمال وسائل إعلامية أخرى مثل الإذاعة والصحافة المكتوبة والسينما والكتاب والأنترنت. وبسب هذا التوجه الكلي لوسائل الإعلام، وقدرتها على نشر محتويات ثرية ومنوعة، أصبح الكثير من الناس منشغلين بوسائل الإعلام، وبالتأثيرات التي يمكن أن تحدثها على عقول الأفراد ووجدانهم وسلوكياتهم، وبصفة خاصة على الشرائح الأقل سناكالمتعلمين .فعلى الرغم من وجود دراسات متعددة تسعى إلى الكشف عن علاقة الإعلام السمعي البصري بمنظومة القيم لدى الأفراد وتأثيره عليهم، إلا أن هذا الموضوع لا زال يطرح المزيد من الاهتمام، بالنظر إلى حجم الآثار والانعكاسات المباشرة على توجهات الأفراد وسلوكياتهم، لما تمارسه الصورة من تأثير مباشر عليهم، وتحققه من توجيه ومن اختلاف على مستوى الأنشطة الذوقية والخيارات القيمية المعروضة أمام الأفراد والمتعلمين جزء منهم. ويعود الاهتمام إلى دور وسائل الإعلام على قيم الأفراد انطلاقا من الاعتبارات التالية:

  • إن الأفراد يجدون أنفسهم إزار جداول القيم على نحو مقرر تماما وفق وضع خارجي بالنسبة لهم في التنشئة الاجتماعية، عليهم أن يكيفوا أحكامهم وفق هذا الجدول[2]، وهو ما يثير حالة الاغتراب التي يعيشها الفرد أمام وسائل الإعلام، ولهذا فان القيم التي تحملها ليس له دخل فيها، وليست من إنتاجه، وينظر إليها غالبا على أنها قيم نموذجية ينبغي الاقتداء بها خاصة لدى فئة الشباب والمتمدرسين.
  • إن ما تلعبه وسائل الإعلام اليوم من دور كبير، خاصة التلفزة، في التأثير على أفراد المجتمع،والذي احتل مكانة كبيرة في التنشئة الاجتماعية للطفل وحتى الراشدين منهم، مما جعل هؤلاء الأطفال أقل حضورا في مختلف التفاعلات الاجتماعية الأخرى، فالتلفزيون بما يحتويه من خصائص (الصوت والصورة) يجعله يفوق الوسائل الأخرى في تمثيل جزء من الواقع وبناء صورة له وفق خلفيات مفروضة، رغم أنه في السنين الأخيرة أصبح يتراجع لحساب الأنترنيت، وشبكات التواصل الاجتماعي التي انتشر مداها وتأثيرها على عقول المتعلمين والشباب وحتى الراشدين. هذه الاعتبارات تطرح أبعادا جد متشعبة، تنطلق من تحديد نوع التأثير المتبادل بين القيم كنتاج مؤسسات اجتماعية ومراكز سياسية راسخة في المجتمعات بالنظر الى طابعها التراكمي، وبين وسائل الإعلام التي تجاوزت تلك المؤسسات في أقدم وظائفها كنتيجة للقوانين الاجتماعية في زمن سريع، احتلت مكانة بارزة كلاعب قيمي أساسي في خضم التطور الذي تعرفه منظومة التواصل والاتصال، والتي ما فتئت تطور من آلياتها ووسائلها مع ما يرافقها من زيادة في التأثير على الأفراد وما تحدثه من تغيرات سريعة على سلوكياتهم وقيمهم.

هكذا يبدو إذن، أن وسائل الإعلام هي من أهم الوسائل الفعالة والأكثر تأثيرا في تثبيت قيم المجتمع، وذلك لقدرتها على إحداث تأثير خاص لدى الأفراد، ويتوقف ذاك على نجاح الرسالة الإعلامية التي تقدمها[3]ويظهر ذلك استنادا إلى ما يلي:

1-تعمل وسائل الإعلام على تثبيت قيم المجتمع من خلال نقلها من الأجيال السابقة إلى الأجيال اللاحقة، وحسب هارولد لاسويل Harold Lasswel[4]، فان المجتمعات البداية كانت تعيش في نطاق العائلات أو القرى المعزولة وكان الآباء والأمهات هم الذين ينقلون القيم والتراث الثقافي عبر الأجيال، ولكن مع تطور المجتمعات والتمدن، حدث نوع من الانعزال مما استوجب قيام وسائل الإعلام بدور ناقل للقيم، فهذا التبرير لظهور وسائل الإعلام مفاده أن دورها كان تعويضيا بالأساس لكنها أصبحت اليوم ممرا أساسيا في نقل القيم.

2-إن وسائل الإعلام خاصة التلفزيون بما يتمتع به من خصائص (الصوت،الصورة،الحركة)، تعمل على تثبيت القيم وتكريسها لدى الجمهور الواسع، ويتم ذلك عبر عملية التكرار،فعرض وسائل الإعلام لقيمة معينة موجودة في المجتمع وتكرار عرضها مرات عديدة، يجعلها تترسخ في ذهن المتلقي، خاصة الأطفال والمراهقين الذين لا يزالون في مرحلة الاستقبال دون تمييز، وهذه المرحلة تعد أساسية في تثبيت القيم.

3-إضافة إلى عنصر التكرار، فان وسائل الإعلام تقوم بتدعيم المعايير والقيم بمختلف أنواعها لدى الأفراد عن طريق إعادة تأكيد هذه المعايير والقيم من خلال معاقبة الخارجين عنها، مثل التشهير بالجرائم والاختلالات التي تحدث في المجتمع وفضحها أمام الرأي العام، وهي بذلك قد تساهم في تخليق الحياة العامة، ويكون أثرها التوجيهي والإصلاحي فعالا إن استخدمت لهذا الغرض، بحكم كونها أكثر تأثيرا وتوجيها لدى عموم المواطنين.

4-وحسب وبلرشرامw.sheramm [5]، فوسائل الإعلام تقوم بالتنشئة من خلال تعليم أفراد المجتمع ، حيث نجد القيم والمعتقدات والمهارات التي يقررها المجتمع حاضرة في موادها ، كما تقوم بدعم القيم الشائعة وتحقيق التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال التعبير عن الثقافات السائدة، والكشف عن الثقافات الفرعية.

5-وبالنسبة لصمويل بيكر Pecker، فدور وسائل الإعلام تتجاوز التأثير البسيط ومواجهة التحديات التي تواجه بناء سلطة المجتمع وقيمه ومعتقداته، بل أصبحت أيضا وسيلة حيوية لاكتشاف قيم ومعتقدات مجتمع ما عن طريق دراسة أنواع الترفيه السائدة فيه، حيث يتم الاعتبار حسب هذا المنظور أن الكوميديا والمواقف الشعبية والمسلسلات والقصص والأغاني والأفلام… تعبر عن وعي شعبي لأنها تعكس قيم المجتمع ومعتقداتهوثقافته  .

6- وفي دراسته لأثر وسائل الإعلام على القيم اعتبر كل من  لازرسفيلد  ومورتونlazarsfeldet Merton[6]الى أن وسائل الإعلام لا تدعم المعتقدات والقيم السابقة فقط، بل الاتجاهات وأنماط سلوك المجتمع أيضا، فالنشر الإعلامي يسد الفجوة بين الاتجاهات والقيم الفردية والآداب العامة السائدة في المجتمع، كما ان لوسائل الإعلام دور في نقل تراث المجتمع من جيل الى جيل، وتساعد أيضا على تجميع المعلومات التي تساعد على مراقبة البيئة والإشراف عليها عن طريق الربط بين القيم السائدة في المجتمع بمختلف الأفراد في وجه التغيرات الهائلة التي تطرأ على تلك البيئة .

7-وتكمن أهمية وسائل الإعلام في دعم القيم من خلال ما تقدمه من معارف ومعلومات خاصة بالقضايا والموضوعات اليومية التي تعمل على تكريس ما لدى الفرد مما يتبناه من قيم وأفكار ومعارف، الشيء الذي يسمح له بتحقيق تكيف اجتماعي بينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه.

لقد أصبح بإمكان المجتمع اليوم بفعل تأثير وسائل الإعلام ألا يعيش القيم التي ينتمي إليها في واقعه، بالرغم من أن القيم هذه تكون حاضرة في ذات المجتمع، وبالتالي فان معايشة هذه القيم تختلف من فرد لآخر ومن فئة اجتماعية إلى أخرى بفعل ظروف كل فرد وكل فئة. فهناك علاقة مفترضة بين القيم والسلوكيات ووسائل الإعلام، فمن جهة يمكن أن تكون القيم مرجعية لوسائل الإعلام وتمكنها من صناعة مضامين بشكل يجعلها مقبولة لدى أفراد المجتمع وتسمح لهم بالتماهي معها، وبتعزيز قيمهم وبنمذجة سلوكياتهم والتكيف مع محيطهم ولا يشعرون بالاغتراب. ومن جهة ثانية يمكن أن تعمل وسائل الإعلام على ترسيخ القيم على مستوى الأفراد من خلال التنشئة الاجتماعية، وفي ذات الوقت تربط القيم بمتطلبات العصر وتقوم بإثرائها بعناصر القيم العالمية، حتى يشعر الأفراد أن لديهم ما يتقاسمونه مع الآخر بعناصر الإبداع والابتكار المحلي.

ومعلوم أن أهمية دراسة القيم والسلوكيات وعلاقتها بدور وسائل الإعلام تطرح وبحدة في المجتمعات النامية، حيث لا زالتتطرح فيها تساؤلات حول مكونات الهوية والشخصية الثقافية، والتي تكون فيها المؤسسات المختلفة غير قادرة على إنتاج ما يشبع حاجيات أفراد المجتمع الثقافية والتعليمية والترفيهية بصفة ملائمة، وتلجأ الى الاستيراد أو ترك المجال الى مؤسسات أجنبية (وسائل الإعلام الأجنبي) لكي يلبي هذه الحاجيات الظرفية، وما يرتبط بذلك من آثار قيمية عامة واضحة على النسيج السلوكي للأفراد.

سلوك المتعلم وتأثير الإعلام عليه

فمما لا شك فيه أن التأثير الذي تلعبه وسائل الإعلام على القيم الإنسانية تختلف باختلاف الأفراد ومكوناتهم النفسية والثقافية والعلمية، إذ أن استجابة الفرد لمحتوى معين يختلف عن استجابة الشخص الآخر، هذا إلى جانب الطريقة والكيفية التي تقدم بها للمتلقي، فعرض وسائل الإعلام لقيمة معينة وتكرارها مرات عديدة ، يجعلها تترسخ في ذهن المتلقي خاصة الطفل، إذ لا يجب أن ننسى أن مرحلة الطفولة تشكل حجر الأساس في تكوين وبناء شخصية الفرد عبر نقل  قيم دخيلة وايديولوجيات مختلفة ومتعددة، ويمكن أن نذكر في هذا الصدد دور الرسوم المتحركة في نقل قيم جديدة للأطفال ، أو البرامج الشبابية .مع الإشارة أن هذا الوضع لا يمنع من أن يساهمالإعلام في إدخال قيم إيجابية للفرد، كالتسامح ونبذ العنف والكراهية وترسيخ مجموعة من المبادئ النبيلة والأخلاقية، بالإضافة إلى قيم الحب والسلام، وذلك حسب التوجهات والأبعاد المختلفة.

هذا ويتمثل أهم تحول يعيشه الأفراد في خضم هذا الوضع التقني، يكمن في تراجع قوة الضغط الذي تمارسه الجماعات الأوليةكالأسرة والمدرسة لفائدة المؤسسات المستحدثة كالإعلام، مما أدى إلى ارتفاع منسوب دور القيم وتأثيرها على الأفراد عبر استهلاك مرجعيات ومنظومات فكرية والثقافية متباينة جراء الانفتاح عليها عبر وسائل الإعلام والتواصل الحديثة. فمن تأثيرات الإعلام الجديد، أصبحت الذوات أكثر تشابها وأقل اختلافا ذلك بفعل التدفق المعلوماتي، حيث وضع الجميع أمام بيانات متشابهة يتم تداولها ضمن دوائر ومجموعات متقاربة ومتشابهة ( وات ساب ، تويتر ، فيسبوك ) إن لم تكن متطابقة إلى حد كبير، وهو ما جعلنا أمام تناسخ  كبير مبالغ فيه للذوات والاهتمامات التي تجذب المستخدمين مع تعدد خلفياتهم المعرفية والبيئية والثقافية. بهذا نكون أمام وجه من أوجه العولمة يتم عبر آلياتها المتداخلة المجالات والعوامل إلى تنميط الفكر والذوق والأهداف الى حد بعيد، معتمدة بذلك على الطرف المهيمن صاحب السلطة الإعلامية والاقتصادية والتخطيطية الذي بيده التوجيه الإعلامي، وسن سياسته        .

هكذا فإن المتغيرات التكنولوجية والعلمية والسياسية قد ألحقت تغيرات جذرية في العديد من المفاهيم ، كالعالم والمجتمع والفرد والزمن والمدرسة. فإذا كانت هاته الأخيرة حسب ريجيسدوبرى Régis Debray[7] تنتمي إلى عالم الغرافوسفيرgraphosphère، الدي مرتكزاته، اللغة والحرف والكلمة، فان اغلب الأجيال من المتعلمين اليوم يميلون إلى الفيديوسفيرvideosphére الذي عماده الصورة والرؤية المباشرة. فالصورة تتحكم في الانفعالات لا فيالمفاهيم،لتكون بذلك مرجعية الأولى في التعلم أيالغرافوسفير، السبورة والكتاب والكلمة والطباشير، ومرجعية الثانية، الفيديوسفير،الحاسوب والصورة والإشهار، والحوامل المتعددة … وعليه تصبح قيم التلميذ وفق هاته المعادلة هي قيم السرعة والضوء والرغبة في الوصول السريع والسهل، هي بذاتها قيم الإعلام والإشهار والمال، في حين أن قيم المدرسة قائمة مؤسسة في أصولها على قيم نكران الذات وخدمة المجتمع وأدبيات التواضع. إن قيم التلميذ اليوم-والأمر ينطبق حتى على الراشدين – فردانية. فهي تؤمن بالفرد المعزول أمام الشاشة الذي لا يتواصل مع الآخرين إلا افتراضيا، ويبحث عن الخلاص الذاتي. في حين أن قيم المدرسة هي السعي لشد وتوطيد ولجم الفرد بالجماعة والتربية على المواطنة. إن دينامية عالم المتعلم اليوم، هي دينامية الرغبة واللذة. أما دينامية المدرسة فهي دينامية الواجب والنظام وعليه فلا مكان ولا نصيب هنا للغة الواجب والنظام على أن تنتصر للغة اللذة مهما فعلت.

إن التحول والتأثير عميق إذن، فالواقع الإعلامي أمر واقع غير قابل للتراجع، والمجال هو مجال للصراع والهيمنة، لكن وبمقتضى القيم الإنسانية الكونية يمكننا فتح نقاش جاد ومسؤول بين السلطة الرابعة وسلط مؤسسات الأخرى الفاعلة والمتداخلة في إنتاج المعنى، لخدمة الإنسان والحفاظ عليه عبر تطوير قيمه الإنسانية.

لقد أصبحت وسائل الإعلام هي من تصنع وبشكل كبير ثقافة الفرد وتحدد قيمه وتوجهه حتى بدون وعي منه، بل والمثير في الأمر ان الأفراد يظنون أنهم أحرار ويختارون فهم غالبا ما يعقدون دلك. في حين أن القيم السائدة تحتوي على مظاهر استيلاب تمارس تأثيرها حتى بدون وعي منهم في أحيان كثيرة، ومن ثم ” يمكن ترجمتها قيم سائدة”[8]. لقد أصبح لوسائل الإعلام قهر يتدخل في ابسط أمور الأفراد، كما أن نقلها للقيم عبر برامجها والأفلام التي تقدمها أحيانا تؤدي الى المساس بجوهر ما تسعى المدرسة والمجتمع إلى تكريسه، حيث إن القبول بعلاقة غير شرعية في الفيلم دون أن ينال المجرمون العقاب، قد يبدوا لدى البعض مظهر من مظاهر الفساد الأخلاقي والقيم الإنسانية.

إن وسائل الإعلام التي أحدثتها النهضة التكنولوجية منذ العصر الحديث بهدف التنوير وتحرير الفرد من الخوف، قد وضعت مسبقا أهدافا لم يكن غرضها إحداث الانعتاق للإنسانية من العبودية بل هو مشروع ” تكريس الهيمنة والسيطرة” [9]،عبر فسح المجال لعبودية من نوع جديد ، من غاياتها جعل القيم قيما ذات بعد أحادي ونسبي .

لقد انتقلت وسائل الإعلام من وسائل تساعد الإنسان وتحقق أمانيه إلى وسائل تكرس واقع الهيمنة والسيطرة بمختلف أشكالها وأنواعها. فالمجتمع أفرادا ومتعلمين لم يعودوا اليوم يختارون أو يلبسون أو يأكلون انطلاقا من رغباتهم، بل أصبحوا يسيرون من قوى خفية أسست لسيطرتها عن طريق وسائل الإعلام. هاته الأخيرة عن طريقها أصبحت بعض الدول تمارس القهرية المادية والمعنوية بتوجيه من بعض الساسة لهاته القنوات أو لصاحب الإعلام أو الموقع. ومجمل الوسائل غرضها السيطرة، فكلما نمت وترعرعت وتقدمت وسائل الإعلام، كلما بالموازاة مع ذلك نمت إمكانيات الفرد في العيش بعفويته، ذلك أنها تعمل علىمستوى نسق مخيلاته وإفراغها من محتواها الأصلي وبرمجتها عن طريق الإشهار المباشر أو الغير المباشر.

لا أحد يجادل اليوم في تأثير وسائل الإعلام على الفرد خصوصا على المستوى الأخلاقي، والأمر واضح بشكل جلي على المستوى التربوي في سلوكيات المتعلمين، بحكم ما أفرزته من أزمة على مستوى القيم جراء العديد من التطبيقات والإنجازات لوسائل الإعلام المرئية والسمعية كتلك القنوات والمواقع الإباحية عبر تسويق الجسد في تجاوز لكل التابوهات والقيود الأخلاقية والاجتماعية ،فلقد تأثر بها الفرد دون أن يجادل خصوصا الشباب والمراهقين من المتعلمين،الأمر الذي يطرح تساؤلات حول الضبط الأخلاقي،خصوصا وأن وسائل الإعلام قد اقتحمت معظم جوانب حياة الإنسان حتى الحميمية منها،  وكثرة استخداماتها  المتعارضة مع ما تراه المجتمعات المحافظة معارضا لقيمها العامة في الحالات الكثيرة .

لقد حقق المجتمع الصناعي وفرة في الإنتاج. ومن أجل تصريف هذه الوفرة يجب أن توازيه وفرة الاستهلاك. كان الاستهلاك في الماضي وسيلة لغاية ما وهي تحقيق سعادة الإنسان. أما اليوم فقد أصبح الاستهلاك غاية في حد ذاته. فإنسان اليوم مفتون بإمكانية شراء المزيد من الأشياء الجديدة، إذ أصبح فعل الشراء والاستهلاك هدفا لا عقلانيا (شراء أخر الموديلات اللباس … الآلات… الهواتف الذكية والحواسيب…)  أصبحت هدف الكثيرين من الناس. فالمتعة الحقيقية لاستخدام هذه الأشياء ثانوية بالنسبة للحصول عليها، لذلك ومن هذا الهدف وفي نفس المنحى تعمل الشركات الكبرى على ترسيخ قيم الاستهلاك من خلال آليات الإشهار عن طريق وسائل الإعلام، بالعمل على توحيد الأذواق المختلفة وتلبيتها، لذلك فوفرة الإنتاج والاستهلاك عن طريق وسائل الإعلام هي التي تجعل المجتمع ” مخدرا” وبلا معارضة”[10]، لا يكسب مناعة ضد أي تغيير نوعي، فالفرد في ظل هذا المجتمع يعتقد أن له قيمة، وأنه حر، وبمجرد أنه يختار بين أنواع المنتجات الصناعية لتلبية حاجاته المادية، فانه  في واقع الأمر هذا الاختيار كمثل اختيار ” للعبد  لأسياده ” . فهاته العبودية الجديدة تتجلى في نزع الطابع الاختلافي والأخلاقي للفرد في هذا المجتمع الذي تهاوت فيه قيم الاختلاف والتعدد، ويمكن تفسير هذا ” الأفول والتهاون”، على أنه ناتج عن الدفع الجنوني للإنسان نحو الاستهلاك بفعل تأثير وسائل الإعلام، مما ولد لديه رغبات مطلقة منفصلة تماما عن حاجياته الحقيقية. فالإنسان إن ظن أنه حر في ظل هاته المنظومة فهو واهم، فحتى وقت فراغه هو الآخر تابع لمسلسل تهجين وتدجين، فالفرد يضل يستهلك الأفلام والمباريات بنفس الطريقة التي يستهلك فيها السلع، كما يستمتع بمشاهدة ما يفرض عليه أن يراه ويستمع إليه. إن هاته المفارقة الكبرى لا يمكن حلها إلا إذا ما فهمنا أن التكنولوجيا هي سياسية قبل أن تكون أي شيء آخر، فالمجتمع الاستهلاكي يعتمد في أساسه على منتوجات التقنية المتقدمة، عن طريق وسائل الإعلام. هذه الوسائل بهذا الشكل من التوجيه تصبح قائمةعلى منطق السيطرة والاضطهاد، فمن البديهي إذن أنها سياسة تخدم القوى الاجتماعية المسيطرة في الوقت الراهن، وبالتالي فهي فرض للرقابة الاجتماعية التي تمثل شكلا متطورا للرقابة الجديدة المبثوثة في التكنولوجية وفي ” بنية التقنية وفعالية جهاز الإنتاج … وتقسيم للعمل السكاني “[11]، التي هي بفعل وسائط تتجلى في الدعاية والإعلام ووسائط الاتصال الجماهيري. إن الإنسان في ظل هذا الوضع يعتقد نفسه أنه حر بمجرد أن يختار تشكيلة كبيرة من السلع والمنتجات، فما يميز المجتمع الإعلامي، هذا المجتمع ذو البعد الواحد هو ” الطابع اللاعقلي لعقلانيته ” فالانقسام الجارف للمجتمع على شكل طبقات مستغلة وأخرى مستغلة على سبيل المثال هو أحد تجليات هذا الطابع اللاعقلاني للمجتمع الصناعي الإعلامي، الذي تحول فيه الأفراد إلى مستلبين.

إن النتائج التي أوصلت إليها وسائل الإعلام وتقنيات التواصل تطرح بشكل أساسي قضية تتعلق بأخلاقيات القيم الإنسانية. فبعض وسائل الإعلام تساهم في نشر ممارسات غير أخلاقية من حيث الإغراء، والتستر على بعض التجاوزات التي لا تخدم قيما، الأمر الذي جعلنا نتساءل عن الجوانب الأخلاقية الخاصة بالتجارب السرية لوسائل الإعلام التي تجري في بعض القنوات. لقد انعكست مثل هذه المعاملات على الجانب الأخلاقي، بل أصبحنا نتحدث عن أخلاق السادة وأخلاق العبيد في الإشهارات. فالسادة هم من يمتلكون التقنية والمعرفة والقناة الإعلامية، وبالتالي السلطة.أما الضعيف فهو ذلك الطرف الذي عطل فكره ليستسلم للآخر راغبا أو رهبا. كل هذا يبرر ما نلاحظه اليوم من المساعي الرامية لفرض القوي لقيمه، فالقوي يرى أن تجسيد قوته يجب أن يمر عبر التحكم في الآخر. الأمر الذي يفسر النزعة إلى التنكر للآخر من خلال السعي إلى فرض نظمه الفكرية والسلوكية وغيرها على الآخرين.  بموجب ذلك استأثر بالأمور ورفض أي حديث عن تعددية القيم والثقافات والمرجعيات. فالكل يجب أن يكون على نموذج واحد. فلا حق في الاختلاف، ولا مبرر لأي تسامح يجسد في نظره أخلاق الضعف. تحت وطأة هذا النوع من التفكير أصبحنا في عالم تقدم فيه القيم بدورها على صورة زوج ذي طرفين متضادين، أحدهما يمثل قيما إيجابية، والآخر يمثل قيما سلبية.

إن دور المدرسة اليوم يجد صعوبات على مستوى مهامها التربوية، أمام تراجع وظائف الأسرة على مستوى التربية القيمية، وما يعرفه الإعلام بدوره من تأثير على المتعلمين أطفالا وشبابا، من خلال ما تحمله الصورة من ثقل على المستوى النفسي والوجداني والإدراكي للمتعلمين اليافعين والفاقدين لأي ثقافة بصرية تسمح لهم بفرز المضمون المشاهد، وقياسه قيميا ودلاليا. ولعل التلفزيون كقناة إعلامية يلعب اليوم هذا الدور الكبير في عملية التأثير خاصة لدى الأطفال عبر المنقول القيمي الذي من شأنه أن يكون له انعكاس على مستوى التبني القيمي لأخلاقيات تجيز نقيض ما تتأسس عليه المرجعية الاجتماعية والإنسانية النابعة من المثل العليا، كالأمانة والصدق والوفاء والتي تعمل بعض المشاهد على تقديم نقيضها وتجيزه، سواء في الرسوم المتحركة، أو الأفلام والمسلسلات، وهو ما يدعو إلى ضرورة الانتباه والحذر من أثر هاته الرسائل على سلوكيات الأطفال والشباب المتعلمين.ومن ثم فانه وأمام مختلف هاته التحديات، فانه يبدو من الضروري أن نضع تصورا لكيفية التعاطي مع هاته التجاذبات القيمية ، والسعي نحو تأسيس عملية احتواء قيمي وفق مقاربة تتوخى تقديم اقتراحات في معالجة المسألة القيمية ضمن سياق تربوي عام يرمي إلى إشراك فعال لكل مؤسسات التنشئة المدنية، في بلورة رؤية قيمية وأخلاقية مشتركة، نحو تأسيس هوية واضحة للأفراد والمتعلمين خصوصا نحو أفق تربوي فاعل وناجع اجتماعيا يضمن الحفاظ على الهوية انطلاقا من مسايرته لمبدأي الخصوصية والتراث والدين والثقافة التي ينهل منهما فلسفته، ويطل  في نفس الوقت على العالمية والكونية في ظل الانفتاح على العالم والمعرفة الإنسانية والتحولات العامة للحضارة الإنسانية بتعدد روافدها وقيمها، لأن المسألة القيمية مسألة إنسانية بالأساس قاعدتها الحاجيات الطبيعية  للإنسان من حرية وعدالة وكرامة ومساواة .

ـــــــــــــ هوامش المقال ــــــــــــــــــــــــــ

[1]– أبراهيم أحمد :إشكالية الوجود والتقنية عند مارتن هيدغر . منشورات الاختلاف ط 1 2006 ص 22

[2]– محمد أحمد بيومي ” علم الاجتماع القيم ” الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، بدون تاريخ النشر، ص 39

[3]– محمد توفيق الغلاييني ” وسائل الإعلام وآثارها في وحدة الأمة “، السعودية: دار المنارة، الطبعة الأولى، 1985، ص39

[4] هارولد لاسويل، نقلا عن: حسن عماد مكاوي، ليلى حسن السيد «الاتصال ونظرياته المعاصرة “القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الأولى، أكتوبر 1998 ص 72

[5]– هارولد لا سويل  ، نقلا عن حسن مكاوي ، ليلى حسن السيد ( نفس المرجع ) ص 78

[6] – دعنان إبراهيم أحمد ، محمد المهدي الشافعي ” علم الاجتماع التربوي الأنساق الاجتماعية التربوية ” ليبيا ، جامعة سبها 2001 ص 264

[7]– Régis Debray : Vie et mort de l’image, éd Folio, Paris 1992, p.66

[8] – هوك هايمروتيودورفأدورنو: ” جدل التنوير ” شدرات فلسفية . ترجمة جورج كتورة ، دار الكتاب ، طبعة 2003 ص 155

[9] – كمال منير : ” النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من ماكس هورك هايمر الى أكسيلهونبت ” منشورات الإختلاف ، الطبعة 1 2010.     ص 43

[10] Herbert Marcuse, L’homme unidimensionnel, Paris, Éditions de Minuit, 1968 Page175

[11]– هربرتماركيوز ،الإنسان ذو البعد الواحد ” ترجمة جورج طرابيشي ، منشورات دار الأدب ، بيروت  الطبعة الثالثة 1988 صفحة 56

2015-11-24
أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

الاشتراكي