مقترحات من أجل إصلاح التّربيّة الدِّينيّة في المغرب

آخر تحديث : الثلاثاء 16 فبراير 2016 - 2:01 صباحًا

مقترحات من أجل إصلاح التّربيّة الدِّينيّة في المغرب

د. أحمد فرحان – أستاذ بكلية الاداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن طفيل.

دعا الملك محمّد السّادس مؤخّراً إلى ضرورة إصلاح التّربيّة الدّينيّة في المنهاج التّربوي المغربي؛ وتأتي هذه الدّعوة عقب التّحذيرات المتكرِّرة للهيئات والفعّاليّات المدنيّة والسيّاسيّة من خطورة التّحوّل المريب في القيم الدِّينيّة للمجتمع المغربي التي تسير نحو التطرّف والتّشدّد والغلوّ على تماسك المجتمع وأمن واستقرار الدّولة.

وممّا لاشكّ فيه أنّ معركة إصلاح التربيّة الدِّينيّة في المغرب لن تكون سهلة أمام المناعة الصّلبة لثقافة التّشدّد والتطرّف الدِّيني التي انغرست بقوّة وترسّخت في نفوس الفاعلين التربويّين من أساتذة وفقهاء ومرشدين، والفاعلين الاجتماعيين من آباء وأمّهات وأولياء الأمور، جرّاء الغزو الإعلامي الوّهّابي والتّربيّة الإخوانيّة التي ترتكز، بدورها، على مفهوم “الجماعة” في التّأطير الدِّيني، هذه “الجماعة” التي تؤسِّس هويّة اجتماعيّة روحيّة وعمليّة تؤمِّن نمطاً من الحياة الأبويّةوالطّهرانيّة المتخيّلة لأتباعها الذين لم يمتلكوا القدرة والاستطاعة على التّكيّف الثّقافي النّاضج مع التّحوّل السّريع والمفاجئ والفوري واللامتوقّع للقيم الاجتماعيّة، من مواقف وسلوكيات وميول وأذواق وأشكال اللِّباس والاحتفال والعلاقات المهنيّة والجنسيّة وأشكال الصّداقة من واقعيّة وافتراضيّة وظرفيّة، وأشكال القرابة العائليّة المتقاربة والمتباعدة والمضطربة والسّلطويّة والإكراهيّة، منها ما ينبني على أخلاق المنفعة، ومنها ما ينبني على أخلاق التّقليد والعادة والعرف. إنّ أيّة معركة للإصلاح الحداثي للتربيّة الدِّينيّة إن لم تكن مدعومةً بمواكبة مدنيّة تعمل على التّعبئة الواعيّة للرّأي العام حولها من خلال التّحسيس الفني والجمالي والنقاش الفكري والحقوقي والتّداول السيّاسي والأخلاقي للقضايا الكبرى الحسّاسة في مجالات العقيدة والعبادة والمعاملة والعرف والتّقليد والعادة، ومواكبة إعلاميّة وطنية مفتوحة على جميع الفعّاليّات المدنيّة والسيّاسيّة والدِّينيّة دون استثناء، فإنّنا جميعاً كمواطنين مغاربة نتوق إلى التّقدّم والتنميّة والتّحرّر ستضيع منّا معركة الإصلاح الحداثي للتّربيّة الدِّينيّة لصالح القوى التّقليديّة والمتشدِّدة والمستلبة روحيّاً وتاريخيّاً.

إنّ أيّ إصلاح للتٍّربيّة الدِّينيّة في المغرب ينبغي أن يستهدف خلخلة وزعزعة العادات السلوكيّة والقناعات الإيمانيّة التي تعيق تنميّة المجتمع وتجهض الإمكانات الفكريّة والثّقافيّة والعلميّة والفنيّة والأخلاقيّة للاندماج الإيجابي في منظومة المعارف والقيم الكونيّة، وترسيخ عادات فكريّة وثقافيّة وسلوكيّة جديدة تشكِّل أساس الاعتقاد الرّوحي بالمواطنة والحريّة والعدالة والمساواة والكرامة من منظور حقوقي إنساني.

أرى أنّ المحاور الكبرى التي ينبغي أنّ يتّجه صوبها إصلاح التّربيّة الدِّينيّة هي الآتي:

الدّين والعلم: ينبغي أن نضع حدّاً للتّضليل الذي يمارسه دعاة “الإعجاز العلمي في القرآن والحديث”، والذي يتمّ تدريسه لأبنائنا وبناتنا في المدارس. وأن نعلِّم أبناءنا وبناتنا أن ّالعلم شهادة على تفوّق العقل الإنساني وتوظيفه شهادة على مدى تخلّق الإنسان وحبِّه للفضيلة الإنسانيّة. ولا يتفوّق العقل في الاكتشاف العلمي إلاّ إذا أطلق العنان لنفسه دون قيود أو خوف للأسئلة الشّجاعة الجرِّيئة مهما لقيت من مقاومة نفسيّة ناشئة عن تربيّة دينيّة خاطئة تدعو إلى لجم اللِّسان عن السّؤال في أسرار الأكوان. وأنّ لا قيود شرعيّة على المعرفة والفهم والتّساؤل. وهذا، كان دأب العلماء الأوائل في الحضارة الإسلاميّة من أطبّاء وفلاسفة ومتكلِّمين وعلماء فلك وفي باقي علوم الطبيعة الأخرى. إذ كلّ من قيّد فيهم عقله عن السّؤال والمغامرة الفكريّة خوفاً من الإلحاد أو الجحود إلاّ وقد فوّت على الحضارة الإسلاميّة شرف المعرفة والاكتشاف التي طالها من حرّروا عقولهم من وصايا اللّاهوت وفتاوى الفقهاء. وهذا ما بيّنه، لنا، تاريخ العلوم.

الدّين والفن: ينبغي أن تتمّ إضافة وحدة في كلِّ المستويات التعليميّة تعنى بتنميّة التذوّق الفنِّي والجمالي للنّاشئة في الموسيقى والرّسم والنحت والرّقص وغيره دون تقييده بالضّوابط الشّرعيّة كالموسيقى المحتشمة والدينيّة والرّسم “الشّرعي” وغيرها من التّرّهات والشّعوذات الإيمانيّة، وإنّما ينبغي أن نرتقي بأذواق أبنائنا وبناتنا الفنيّة والجماليّة بما يتلاءم والمشاعر والأحاسيس الإنسانيّة الرّفيعة والنّبيلة وهي قيم أدبيّة خالدة.

الدِّين والأدب: ينبغي أن نتّجه إلى تنميّة الحسّ الأدبي في نفوس النّاشئة من خلال تدريسهم الادب العالمي وتحريرهم من وهم أفضليّة وقداسة المواعظ والوصايا الدِّينيّة على الحكم الأدبيّة الإنسانيّة الخالدة التي تشكِّل متون الأدب الحضاري العالمي والرّصيد التّاريخي المشترك للإنسانيّة جمعاء. وأنّ الدّين في جانبه الرّوحي جسّد المعاني الإنسانيّة الأدبيّة الخالصة التي هي خلاصة إبداعات الشّعراء والحكماء والمصلحين والأدباء في كلِّ الثّقافات الإنسانيّة على اختلاف مشاربها.

الدّين والتّشريع: على أبنائنا وبناتنا أن يتعلّموا أنّ آيات التّشريع في القرآن لا تشكّل كلّ القرآن ولا كلّ الأحاديث النّبويّة بل لا تشكِّل إلاّ النّزر اليسير جدّاً بالمقارنة مع الرِّسالة النّبويّة العظمى التي تتمثّل في دفع البشر إلى النّظر والبحث والمعرفة في أسرار الكون والوجود بالتّساؤل والاجتهاد وإعمال العقل وسلطان العلم والتّصديق الإيماني بعظمة الوجود الإنساني والتّخلّق الإحساني بالتأدّب أمام العالم والعارف والخالق، بالمعنى الذي وضعه العلماء في الإسلام حين أفردوا له باب الهمّة في طلب العلم ولو بالصِّين أو باب اطلبوا العلم من المهد إلى اللّحد. ولا تأدّب مع الخالق إلاّ بمعرفة مخلوقاته فيما ينفع النّاس ويعمِّر الأرض لا فيما يغني الخالق تمجيداً وتسبيحاً، فاللّه غني عن العالمين. وأنّ نعلِّمهم أنّ الأصل في الدّين التّحليل لا التّحريم، واليسر لا العسر. وأن التّشريعات مرتبطة بأسباب النّزول وبالسيّاق الاجتماعي والثّقافي للنّاس، أوردها القرآن مقيّدة تاريخيّاً وزمنيّاً لترسيخ المعاني الرّوحيّة للنّبوّة في سيّاق تاريخي اقتضى منه تأسيس الجماعة المؤمنة في مجتمع له أعرافه وتقاليده وعاداته، ورغم ذلك لم تكن هذه التّشريعات تأبيدا لها بل تجديداً واجتهاداً، وهنا ينبغي أن تتعلّم النّاشئة البعد التّاريخي والثقافي الذي يحكم التشّريعات القرآنيّة وكذا البعد الإنساني والحقوقي الذي أملى ضرورة الاجتهاد في التشريعات السّائدة آنذاك وتغييرها وتعديلها.

الدِّين والقيم: ينبغي أن تتوجّه الإصلاحات في التربيّة الدِّينيّة بالمغرب إلى ترسيخ حريّة المسلم في التّعبّد واحترام حريّة الآخر في المعتقد، من خلال التّأكيد على “مبدأ الاختيار” لدى المسلم في التّعبّد الذي لا يتناقض ولا يتعارض مع الانتماء إلى الحضارة الإسلاميّة. ينبغي التّمييز بين الدِّين التّعبّدي والدّين الاعتقادي، فكلمة “مسلم” لا تعني بالضّرورة متعبِّد،لأنّ اعتقادالمسلم أنّه وُلِد مسلماً، هو اعتقاد في نوع انتمائهالثّقافي والحضاري، هذا الانتماء الذي يتحدّد بتاريخ وجغرافيّة معيّنة وهما كلّ من: التّاريخ والتّراث الإسلامي والمقدّسات الجغرافيّة الإسلاميّة. وأنّ الأصل في معنى الإسلام هو التّوحيد، ومعنى التّوحيد يتعدّد بتعدّد الثقافات ومراتب الأفهام ودرجات المعرفة. وهذا ما سيدفع النّاشئة إلى الاستنتاج بأنّ “مبدأ الاختيار في التّعبّد” يلزم عنه التّسامح واحترام حق الاختلاف وليس بالضّرورة الاقتناع بذلك، مادام أمن البشر وتماسك المجتمع وحقن الدِّماء وإخماد نار الفتنة ونبذ الكراهيّة والتّعصّب يقتضي ذلك.

الدّين وأشكال الحياة: إذا كان إصلاح التّربيّة الدِّينيّة لا يضع صوب عينيه التّأثير في أشكال الحياة الرّمزيّة لدى المواطنين فإنّ هذا الإصلاح سيظلّ شهادة على فساد غايات الدّولة في الارتقاء بالمواطن-ة-فكراً وسلوكاً وذوقاً وتأهيل المجتمع إلى مصاف المجتمعات الرّاقيّة فكراً وسلوكاً وذوقاً. ومن بين أشكال الحياة التي ينبغي للتّربيّة الدِّينيّة أن تعنى بها: أشكال اللباس والمأكل والمشرب والتّطبيب والمعاشرة بين النّاس على اختلاف أجناسهم وجنسيّاتهم. لم يعد مقبولاً الحديث اليوم عن مهاترة اللباس الشّرعي أو المأكل الشّرعي أو التّطبيب الشّرعي، أو الشّراب الشّرعي أو المعاشرة الشّرعيّة. فاللّباس ذوق فني وجمالي يعبِّر عن درجة التّثقيف والتّهذيب في المجتمع. والمجتمع الغريزي المكبوت لا يرى في اللباس إلاّ ستراً للعورة واحتشاماً للجسد الإيروتيكيوليس تعبيراً فنيّاً وجماليّاً يكسو لوحة إبداعيّة رائعة اسمها الجسد. هذا الجسد الذي ينبغي أن نعنى به بالأكل الصحِّي والشّراب الصحِّي والتطبيب الصِّحِّي والمعاشرة الصِّحِّية الجنسيّة والمعاشرة الاجتماعيّة الصِّحِّيّة مع الجنسيّات المختلفة. فالشّرعيّ هو ما يستجيب لشروط الحياة الصِّحِّيّة والجماليّة السّليمة.

أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

المصدر :http://wp.me/p6l3Qc-11y