دور النقاش العام في تنوير العمل الحزبي

آخر تحديث : الإثنين 12 ديسمبر 2016 - 8:33 مساءً

دور النقاش العام في تنوير العمل الحزبي

بصدد إقبال الأعضاء القدامى على استرجاع صفة العضوية في أحزاب فيدرالية اليسار

لست ممن يعتقد مسبقا في صواب مواقفه، بل الاعتقاد الراسخ لدي يبقى في حدود إغناء الجدل عبر الأخذ والرد بهدوء، على خلفية الإنصات المتبادل، بما يفضي أخيرا إلى خلاصات عقلانية مشتركة جماعية. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وفي كل مسلسل من هذا النوع يكون البادئ أكرم دائما طبعا. التحق مؤخرا سرب من أطر سابقة العضوية في منظمة العمل الديمقراطي الشعبي بصفوف الحزب الاشتراكي الموحد. الفضل في ذلك يرجع لثلاثة عوامل في نظري: أولا: لقد أبان جيل الشباب، منذ حركة 20 فبراير إلى اليوم، قدرة على حمل مسؤولية الدفاع عن الحقوق الاجتماعية، باستماتة جبارة وبتصميم تنظيمي وحركي وبعزم سياسي متجدد بعيدا عن انتظارية القيادات الحزبية التقليدية….مثال الأطباء والاساتذة المتدربين ونساء القروض الصغرى والمتوسطة وعمال ورزازات…والأمثلة عديدة…كل ذلك، ساعد في بروز أطر حزبية شابة منبثقة من الحركة نفسها…جددت دماء العمل الحزبي في صفوف بعض اليسار… ثانيا: برزت قيادات نسائية مصممة على أخذ زمام الأمور بجدية لافتة تعوض الترهل الملاحظ لدى القيادات السابقة. وأدى هذا البروز إلى إقبال الإعلام الدولي على فتح نوافذ برامجها لنساء المغرب للتحدث في صلب القضايا السياسية في ضوء ما بعد ربيع 2011 ومضاعفاته الإيجابية والكارثية في المشرق أيضا. خصوصا وقد غرقت الرأسمالية العالمية والأنظمة المحلية في براثين الإرهاب وتنظيماته التي رأت البروز في الدهاليز المظلمة للمخابرات. فاستحقت خديجة الرياضي اعترافا دوليا برصيدها الحقوقي. ومباشرة استدركت أجهزة المخزن بعض تخلفها ومسؤوليتها عن توريط المغرب في خسارات دبلوماسية… لنرى نبيلة منيب مدة ساعة ونصف تتحدث على قناة ميدي 1 تيفي، ثم تستنجد بها السلطات كقيادية نسائية في العمل الحزب للخروج من ورطة اعتراف السويد بالمطالب الانفصالية في الجنوب. ثالثا: انتعش اليسار غير الحكومي بهذه المحطات القيادية النموذجية من طراز جديد، وظهر الدهاء القيادي لدى نبيلة منيب كأمينة عامة للاشتراكي الموحد منذ 2012 إلى اليوم. وذلك عبر ماراطون متعب بلا كلل، أخرج الرأي العام السياسي من ملل الخطاب الخشبي واسترجع المجتمع المتابع أنفاسه السياسية بالمعنى المنتج والبناء للسياسة. كانت محطة الحملة الانتخابية مناسبة تعريف بجهود اليسار غير الحكومي لإعادة وحدة الصفوف (الفيدرالية) بما يفيد نضال الشعب من أجل الحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية في ظل خنوع حكومي متواصل للمخزن وللبنك الدولي. عودة قدماء مناضلي منظمة العمل واليسار إلى صفوف الاشتراكي الموحد جاءت وليدا شرعيا لهذا الحمل النضالي الموصوف أعلاه. أثناء سنوات الحمل النضالي أدى المناضلون تكاليف باهظة مؤلمة بصمت صبور منكرين لذواتهم العائلية والمهنية دون أن يمنوا على أحد بذلك.

الثقافة السياسية اليسارية

أليس المفترض في اليسار، كتيار مجتمعي، أن يستوعب التحولات المحيطة به قصد تمثل وضعيته المُرَكّبَة، في مجتمع ضاعف محافظته بأغطية مضافة بعضها اليأس وبعضها الإيديولوجيا اللاعقلانية الغيبية بتسمية دينية؟ هل يستميت اليساريون اليوم عبر التثقيف الذاتي لاستيعاب التحول الجاري: في تحولات الرأسمالية ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي؟ في الثقافة اليسارية عالميا بناء على فشل التجربة السوفياتية في روسيا ومنظومتها السابقة؟ في الثورة المضادة التي قادها ثنائي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وصنيعتهما البنك الدولي منذ 1979؟ في الحركة السياسية الدينية المشرقية منذ الثورة الشيعية في إيران (1979) ورد الفعل المشابه لدى السنة بقيادة السعودية عبر مجاهدي أفغانستان؟ في تحالفات المخزن وسلوكات اليسار الرسمي منذ ذلك الحين عبر فك الارتباط مع الحركة الطلابية والشبابية والنقابية مقابل المكاسب الانتخابية؟ هل تستوعب قيادات اليسار الصعود الهائل في وعي المجتمع (والشباب منه خصوصا) بفضل الثورة التكنولوجية (الانترنت وشبكاته والفضائيات) وفي استقلال تام عن رصيدها السابق المؤسس على ترجمات تحريفية ومنحرفة في اللغة الاشتراكية السابقة؟ هل يقيم اليسار اعتبارا ملائما لسحر مصطلح المواطنة الذي أرسى تحررا غير مسبوق لدى شباب ما بعد الحرب الباردة في ظل العولمة والتي بفضلها أصبحت الأنظمة نفسها عاجزة عن فرض رقابتها الموروثة عن مفهوم السيادة الجغرافية المغلقة والتي لم تعد كذلك اليوم؟ هل يرقى الفكر اليساري إلى مستحقات المواطنة العالمية؟ بناء على شبكة التساؤلين السابقين حول سقف الفكر اليساري الجديد وعلى أرضية المواطنة، هل يستند اليسار في ممارسته التنظيمية على التثقيف الذاتي اليساري وعلى ندية المواطنة بلا وصاية حركية عمياء؟ لقد سبق للقيادي الراحل (عبد السلام المؤذن:1992) أن تأمل في تحولات فئات الطبقة العاملة ما بين محدودية البذلة الزرقاء (الامبريالية الصناعية) و حمَلة البذلة البيضاء وربطة العنق، كون الامبريالية (في صيغتها المالية) نفسها تمكنت من تجديد وسائل الاستغلال وميادين الاحتكار والأشكال اللامادية للهيمنة والتملك في نفس الوقت. مما وسع دوائر ضحايا الرأسمالية المعاصرة وعقّد المهمة القيادية لليسار، خصوصا مع عودة الأمبريالية المالية لظاهرة الأزمات الدورية كي تفكك صفوف منظمات اليسار وتضع المجتمعات أمام القبول القسري بمشاريع التسليع والخوصصة لأهم الموارد الطبيعية (الماء) والخدمات (التعليم والصحة) هل يمتلك اليسار اليوم مفاتيح مفاتيح الأجوبة عن هذه التساؤلات؟ هل يستطيع اليسار قيادة المجتمع بثقافة سياسية تكاد تصبح بدائية؟ هل يفلت اليسار من السقوط في المحافظة والانغلاق ليصبح المنتمي لليسار مجرد خدوم صبور للمجتمع بلا بوصلة ولا نَفَسٍ استراتيجي؟ هل يضمن اليسار تبليغ رسالته وهي تقطع مسافات وسط رياح عاتية منافسة في كل الأوقات وفي بعض الأوقات مضللة وراشية بالمال السياسي بل وناشرة للوعي الزائف؟

أترك تعليقك
0 تعليق

عذراً التعليقات مغلقة

المصدر :http://wp.me/p6l3Qc-1rf